المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : قصة ذات شجون


حنين الاشواق
01-28-2010, 02:29 PM
قصة ذات شجون

٢٨/ ١/ ٢٠١٠

أعتقد أن قصة هذه السيدة تستحق أن تروى، كونها تتعلق بمشكلة التعارف عن طريق الإنترنت الذى كثرت مصائبه فى الآونة الأخيرة.
هناك طريقتان لحكاية قصة هذه السيدة: إحداهما خبرية جافة خلاصتها أنها تعرضت للخداع. والأخرى حميمية دافئة، تقترب منها، تمتزج بها، تشعر بأحزانها، تؤمن أنه لا يوجد سبب تافه للحزن طالما هناك حزن، وكل مأساة- مهما تكررت- يعيشها صاحبها وكأنها نهاية العالم.
هى سيدة فى منتصف الثلاثينيات، مطلقة ولها طفلة واحدة، من أسرة راقية محترمة. وبرغم أنها عضو هيئة تدريس فى كلية عملية مرموقة، ومشغولة باستمرار، فقد كانت صادقة الرغبة فى الزواج، لاحتياجها الفطرى لرفيق درب، وشعورها الدائم بالوحشة. ولكنها برغم عدم اكتراثها بالأمور المادية فإنها لم تجد الكفء المناسب لها للزواج.
وهنا تكمن المشكلة المكررة فى زواج مثيلاتها من السيدات اللواتى تمتعن بتعليم عال. فهل هو النصيب كما نحب أن نبرئ أنفسنا؟ أم أن هذا التفسير القدرى- ذا الطابع الدينى- هو حيلة المجتمع حين يريد أن يغسل يده من المسؤولية!، ولماذا لم يتكئ عمر بن الخطاب على «النصيب» حين دار على بيوت الصحابة- معرضا نفسه للإحراج- كى يلتمس زوجا لابنته الشابة الأرملة؟، ومن فينا يصنع صنيع عمر بن الخطاب مع أخته وابنته؟!.
*****
ومشكلة التعارف عن طريق الإنترنت تعرضت لها هذه السيدة حينما تعرفت على رجل قدم لها نفسه باعتباره يشغل وظيفة محترمة، ومطلقا بلا أطفال، ومثل أى سيدة فى موقفها تعاملت معه بكثير من الحذر والترقب، وأصرت على أن يقابل والدها أولا لكى يأخذ الأمر طابعه الرسمى.
لا أريد أن أطيل فى التفاصيل فكلها لا تهم إلا أبطال القصة الحقيقيين. المهم أنها منحته الثقة بعد مقابلة والدها، وغمرها بالاهتمام الذى تفتقده أى امرأة فى ظروفها، والرعاية الرجولية التى أشعرتها بأنها امرأة، بالتدريج بدأ الحب يطرق قلبها. ولأول مرة تفهم المعانى الكامنة فى أغنيات الحب، وتشعر بالأمان الكامل له، وأنه الرجل الذى ادخرته لها الأيام، ونصفها الثانى الذى لطالما حلمت به، فتدفق الشلال الحبيس بعد انهيار السد فبادلته حبا بحب واهتماما باهتمام.
وكانت النهاية المؤسفة حينما اكتشفت أنه نصاب محترف زور شهادة الطلاق التى أظهرها لها، والحقيقة أنه متزوج ومعه أطفال، ولم يكن جادا فى أى وقت من الأوقات. من المدهش أن تُخدع سيدة فى مثل مركزها العلمى بهذه السهولة الفائقة!. ولكنه الدرس الذى يتعلمه كل مخدوع بعد فوات الأوان: أسهل الناس خداعا هم الصادقون، الذين لم يعتادوا الكذب، ولذلك لا يفهمون لماذا يكذب الناس!.
يمكنكم بسهولة أن تتصوروا صدمتها الآن، وبكاءها المقهور كل ليلة حين تستعيد ذكريات الحب التى تحولت الآن لتفاصيل خداع. أسوأ أنواع السرقة هو سرقة القلب. هو لم يسرق فرحتها فحسب وإنما ثقتها بكل إنسان قادم.
نحن بحاجة إلى مناقشات مستفيضة لنتعلم ترويض الوحش المسمى «التعارف عن طريق الإنترنت» الذى لن يجدى تجاهله. لقد ثبت من تجارب كثيرة سابقة أن التكنولوجيا تهزم الجميع، ووسائل الاتصال الحديثة ستعيد تشكيل أنماط التعارف الإنسانى بشكل يصعب التنبؤ بعواقبه فى الزمن القريب.