المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : التمسك بالسنة


سلسبيل بيلا
07-19-2018, 02:25 PM
التمسك , بالسُّنة ,فساد , الوحيد
هو السبب الوحيد للنجاة من فساد هذا الزمن

السنة لغةً: الطريقة والسيرة؛ وشرعًا: ما نُقل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قولًا أو فعلًا أو إقرارًا على فعل، وهي ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، لا سيما الخلفاء الراشدين قولًا وعملًا واعتقادًا، بما يتعلق بالاعتقاد وأصول الدين، وفروعًا كالطهارة والصلاة والزكاة والصوم والحج والجهاد، إلى آخر ما يذكره مَن صنَّف من العلماء في السنة؛ كأبي داود والترمذي، والنسائي وابن ماجه وغيرهم؛ كالدارقطني والدارمي وعبدالراق الصنعاني، وسعيد بن منصور الخراساني، وأمثال هؤلاء مما يعسر استقصاؤه.
وهذه هي السنة الكاملة الشاملة التي يشملها ما جاء في الحث على التمسك بها، وفي مدحها ومدح من تمسك بها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعن الصحابة والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، رضي الله عنهم أجمعين، وما أوصى به أهل الاستقامة بعدهم من أئمة الدين والعلماء العاملين الذين قضوا بالحق وبه يعدلون.
لكن لما حدثت البدع وأهلها، وانتشر الضلال في هذه الأمة في الاعتقاد، ولما حدث التفرق والاختلاف الذي أخبر به الصادق الأمين الذي لا ينطق عن الهوى - صارت السنة في عرف أكثر المتأخرين من العلماء مخصوصة بما يتعلق بالاعتقاد؛ لأنها أصول والمخالف فيها على خطر عظيم، لكن السنة أعم من ذلك وأشمل، حتى في دقائق الأمور، كآداب التخلي، فإنه يجمع سننًا كثيرة وآدابًا عن النبي صلى الله عليه وسلم أمرًا ونهيًا وفعلًا وإقرارًا، فإن ذلك مطلوب فيه العمل بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ كما في صحيح مسلم وأبي داود والترمذي عن عبدالرحمن بن يزيد، قال: "قيل لسلمان رضي الله عنه: قد علمكم نبيكم كل شيء حتى الخراءة؟ فقال سلمان: أجل. نهانا أن نستقبل القبلة بغائط أو بول، أو أن نستنجي باليمين، أو أن يستنجي أحدنا بأقل من ثلاثة أحجار، أو أن يستنجي برجيع أو بعظم".
ولهذا اختص مَن تحلى بها بتسميتهم بأهل السنة والجماعة وبالفرقة الناجية، وبالسواد الأعظم، وكذا إذا أطلق السلف في عرف أهل العلم، انصرف إلى العالمين بالسنن المأثورة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، المتحرين لها من مظانها، الذين لا يعدلون عنها إلى غيرها مهما كان القائلون والعاملون.
فأهل السنة والجماعة هم الذين وقفوا عند نصوص الكتاب والسنة، وساروا عليها وباينوا جميع الفرق الضالة، وأمَّروا الكتاب والسنة على أنفسهم قولًا وفعلًا، واستغنوا بهما عن كل ما سواهما، ودعوا الناس إليهما على بصيرة من الله وإخلاص لوجهه، فهم بحبل الله جميعًا معتصمون، وبهدي رسوله آخذون، وعليه مقتصرون، وبالعروة الوثقى مستمسكون بين أهل الإفراد والتفريط، وبين أهل التشبيه والتمثيل، وبين أهل الإلحاد والتعطيل، في سائر أبواب السنة متوسطون، قد تغربوا عن أنفسهم وعن الخلق، وهاجروا بقلوبهم إلى الله مولاهم الحق، وإلى الدارة الآخرة.
قال الحافظ ابن رجب رحمه الله: السنة الكاملة هي الطريقة السالمة من الشبهات والشهوات؛ كما قال الحسن ويونس بن عبيد، وسفيان والفضيل وغيرهم، وقد وردت الأحاديث والآثار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه والتابعين لهم بإحسان - بالحث على التمسك بالسنة وفضلها، وفضل أهلها، لا سيما عند فساد الزمان وظهور البدع.
فعن العرباض بن سارية رضي الله عنه قال: "وعظنا رسول الله صلى الله عليه وسلم موعظة بليغة وجلت منها القلوب، وزرفت منها العيون، فقلنا: يا رسول الله، كأنها موعظة مودع فأوصنا، قال: أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة وإن تأمَّر عليك عبد - وفي رواية: وإن كان عبدًا حبشيًّا - فإنه من يعش بعدي فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين - وفي رواية المهديين - تمسكوا بها وعَضُّوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وفي رواية: وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل بدعة ضلالة"؛ رواه أحمد وأبو داود، والترمذي وابن ماجه.
وفي الموطأ مرسلًا عن النبي صلى الله عليه وسلم: "تركت فيكم ما إن استمسكتم بهما لن تضلوا بعدي أبدًا، كتاب الله وسنة رسوله".
وعن عمرو بن عوف رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لبلال بن الحارث يومًا: "اعلم يا بلال، قال: ما أعلم يا رسول الله؟ قال: اعلم أن من أحيا سنة من سنتي أُميتت بعدي، كان له من الأجر مثل من عمل بها من غير أن ينقص من أجورهم شيئًا، ومن ابتدع بدعة ضلالة لا يرضاها الله ورسوله، كان عليه مثل آثام من عمل بها لا ينقص من ذلك من أوزار الناس شيئًا"؛ رواه الترمذي وابن ماجه.
وعن العرباض بن سارية رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "لقد تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك"؛ رواه ابن أبي عاصم في كتاب السنة وغيره.
وعن جبير بن مطعم قال: "كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم بالجحفة، فقال: أليس تشهدون أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأني رسول الله، وأن القرآن جاء من عند الله؟ قلنا: بلى، قال: فأبشروا فإن هذا القرآن طرفه بيد الله وطرفه بأيديكم، فتمسكوا به، فإنكم لن تهلكوا ولن تضلوا بعده أبدًا"؛ رواه الطبراني والبزار.
وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من تمسك بسنتي عند فساد أمتي، فله أجر مائة شهيد"؛ رواه البيهقي ورواه الطبراني من حديث أبي هريرة، إلا أنه قال: "فله أجر شهيد".
وعن أنس مرفوعًا: "من أحيا سنتي فقد أحبني، ومن أحبني كان معي في الجنة"؛ رواه الترمذي، ورواه البيهقي عن مالك قال: "كان عمر بن عبدالعزيز يقول: سن رسول الله صلى الله عليه وسلم وولاة الأمر من بعده سننًا، الأخذ بها تصديق لكتاب الله واستكثار لطاعة الله، وقوة على دين الله، من اهتدى بها فهو مهتد، ومن استنصر بها فهو منصور، ومن خالفها اتبع غير سبيل المؤمنين، والله تعالى يقول: ﴿ وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا ﴾ [النساء: 115].
وعن إبراهيم النخعي قال: "أرسل عمر بن الخطاب إلى ابن عباس رضي الله عنهما، فقال: كيف تختلف هذه الأمة وكتابها واحد ونبيها واحد، وقِبلتها واحدة؟ فقال ابن عباس: يا أمير المؤمنين، إنا أُنزل علينا القرآن فقرأناه وعلِمنا فيمَ نزل، فيكون لكل قوم فيه رأي، فإذا كان لكل قوم فيه رأي اختلفوا، فإذا اختلفوا اقتتلوا"؛ رواه سعيد بن منصور في سننه.
وعن العلاء بن المسيب عن أبيه قال: قال عبدالله: "إنا نقتدي ولا نبتدي، ونتبع ولا نبتدع، ولن نضل ما تمسَّكنا بالأثر"، وعن ابن مسعود وأبي ذر رضي الله عنهما قالا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من ورائكم أيام الصبر، فالمتسك بما أنتم عليه له أجر خمسين، قالوا: يا رسول الله، منها أو منهم؟ قال: منكم".
وفي المسند عن معاوية رضي الله عنه قال: "قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: "ألا إن من كان قبلكم من أهل الكتاب افترقوا على اثنتين وسبعين ملة، وإن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة؛ اثنتان وسبعون في النار، وواحدة في الجنة وهي الجماعة"، وفي رواية قال: "من كان على مثل ما أنا عليه وأصحابي".
وهذا حديث عظيم ورد بألفاظ وطرق يقوِّي بعضها بعضًا عند أحمد والترمذي وأبي داود، وكذا عند النسائي وابن ماجه والحاكم من طرق كثيرة جدًّا، عن غير واحد من الصحابة؛ كمعاوية وأبي هريرة، وابن عمرو وعوف بن مالك، وأنس بن مالك، وغيرهم.
وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه خطب الجابية، فقال: قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: "من أراد منكم بحبوحة الجنة، فليلزم الجماعة"، وفي رواية: "من سره أن يسكن بحبوحة الجنة، فليلزم الجماعة".
وفي الترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنكم في زمان من ترك منكم عشر ما أمر به، هلك وعوقب عليه، ثم يأتي زمان من عمل منهم بعشر ما أُمِر به نجا".
وفي المسند وسنن أبي داود عن أبي ذر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من فارق الجماعة شبرًا فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه"، وعن عرفجة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "يد الله مع الجماعة، والشيطان من يخالف الجماعة"، وعن أسامة بن شريك قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "يد الله على الجماعة: فإذا شذ الشاذ منهم، اختطفته الشياطين كما يختطف الذئب الشاة من الغنم"، وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله لا يجمع أمتي على ضلالة، ويد الله على الجماعة، ومن شذ شذ في النار"؛ رواه الترمذي، وقد تقدم تفسيره قبل ذلك.
وعن أبي العالية قال: قال أُبي بن كعب: "عليكم بالسبيل والسنة، فإنه ليس من عبدٍ على سبيل وسنة ذكر الرحمة، ففاضت عيناه من خشية الله، فتمسه النار، وإن اقتصادًا في سبيل وسنة خير من اجتهاد في بدعة".
وقال أبو العالية رحمه الله تعالى: "تعلموا الإسلام فإذا تعلمتموه، فلا ترغبوا عنه، عليكم بالصراط المستقيم؛ فإنه الإسلام، ولا تنحرفوا عن الصراط يمينًا ولا شمالًا، عليكم بسنة نبيكم، وإياكم وهذه الأهواء".
وقال أبو عثمان الحيري: "الصحبة مع الله بحسن الأدب ودوام الهيبة والمراقبة، والصحبة مع الرسول صلى الله عليه وسلم باتباع سننه ولزوم ظاهر العلم".
وقال أبو العباس أحمد بن سهل بن عطاء: "من ألزم نفسه آداب السنة، نوَّر الله قلبه بنور المعرفة، ولا مقام أشرف من متابعة الحبيب في أوامره وأفعاله وأخلاقه".
وعن أبي بكر الطمستاني أنه قال: "الطريق واضح والكتاب والسنة قائمة بين أظهرنا، وفضل الصحابة معلوم لسبقهم إلى الهجرة ولصحبتهم، فمن صحب هذا الكتاب والسنة، وتغرب عن نفسه وعن الخلق، وهاجر إلى الله بقلبه، فهو الصادق المصيب"، وقال أبو حفص النيسابوري: "أحسن ما يتوسل به العبد إلى مولاه، دوام الفقر إليه على جميع الأحوال، وملازمة السنة في جميع الأفعال، وطلب القوت من وجهه الحلال".
وفي الحلية لأبي نعيم عن سهل بن عبدالله قال: "أصولنا ستة أشياء: التمسك بكتاب الله، والاقتداء بسنة رسول الله، وأكل الحلال، وكف الأذى، واجتناب الآثام، وأداء الحقوق"، وقال ابن وهب: "كنا عند مالك بن أنس رضي الله عنه نتذاكر السنة، فقال مالك: السنة سفينة نوح عليه السلام، من ركبها نجا ومن تخلف عنها غرق".
وتتبُّع ما جاء في وصف السنة وأهلها والحث على التمسك بها يطول جدًّا، وما أحسن ما ذكر الإمام شمس الدين بن القيم في المدارج؛ حيث قال: لله على كل قلب هجرتان، وهو فرض لازم له على الأنفاس: هجرة إلى الله بالتوحيد والإخلاص والإنابة، والحب والخوف والرجاء والعبودية، وهجرة إلى رسوله صلى الله عليه وسلم بالتحكيم له والتسليم والتفويض، والانقياد لحكمه، وتلقي أحكام الظاهر والباطن من مشكاته، فيكون تعبده به أعظم من تعبد الركب بالدليل الماهر في ظلم الليل ومتاهات الطرق، فما لم يكن لقلبه هاتان الهجرتان، فليحث على رأسه الرماد، وليراجع الإيمان من أصله، فيرجع وراءه ليقتبس نورًا قبل أن يحال بينه وبينه، ويقال له ذلك على الصراط من وراء السور؛ انتهى كلامه رحمه الله.
فأهل هاتين الهجرتين هم الذين سبقت لهم من الله السعادة، وزكمت أعمالهم، وعمرت بطاعة الله أبدانهم، ونبتت على أكل الحلال لحومهم، فإن من أهم الأمور على السالك النظر فيما يدخل في بطنه من مأكل ومشرب، وما يواري به بدنه من ملبس، وما يعف به فرجه ويحفظ به نظره من منكح، فإن أحكم ذلك لا سيما في هذا الزمان الذي لا يخفى أمره على مَن وفَّقه الله، فلتهنه السلامة، وليبشر بالفوز والكرامة.