المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : من إشعاعات القرآن [ من سورة البقرة ]


سلسبيل بيلا
06-21-2018, 03:27 PM
اشعاعات , القرآن , البقرة , خليفة , يفسد , يسفك , الدماء , خليفة , الكرام , مسنون



(الرأي الآخر)

قال الله تعالى:
﴿ وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ ﴾ [البقرة: 30].

الشعاع الذي يلوح من هاته الآية الكريمة
هو قيمةُ الرأي الآخر، وحق الآخر في فَهم حقائق الأمور،
ففي هذه الآية ربُّ العزة سبحانه يَعرِضُ على ملائكته الكرامِ أنه (جاعلٌ في الأرض خليفة)؛
يعني قرارًا قد تَمَّ،
ومع هذا الملائكة الكرام يسألون متعجِّبين ليس من باب الرد على الله سبحانه،
بل من باب التعجُّب والتساؤل، واستكشاف الحكمة؛
لأنهم حسب علمهم بهذا المخلوق كما في آية الحجر:
﴿ وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَأٍ مَسْنُونٍ ﴾ [الحجر: 28]،
فعلِموا من ذلك بأنه سيَحدُثُ منه إفساد وسفك للدماء،
أو لأنهم على علم بما أحدثه الجن الذين سكنوا الأرض قبل الإنسان من فساد،
وهو سبحانه عاملهم بلطفه، وأبان لهم حكمته من ذلك حتى اقتنعوا، فقالوا:
﴿ سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ ﴾ [البقرة: 32].

وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يُقابِل اعتراضَ أصحابه -
ربما في أمور دينية لا حقَّ لهم بالاجتهاد فيها - بحكمةٍ،
ويُبيِّن لهم دون تعنيف أو توبيخٍ؛
كالشاب الذي طلب الرخصة في الزنا،
واعتراض عمر على صلح الحديبية
واعتراض أهل المدينة على عزم الرسول صلى الله عليه وسلم
إعطاء غطفان ثُلُث ثمار المدينة سنة كاملة،
على أن تعود غطفان وتترك حصار المسلمين.
فالأب في بيته، والمعلم أو الأستاذ في فصله،
والحاكم في سلطانه، والمربي أو القائد في جماعته أو عسكره،
كل هؤلاء أو أكثرهم لا يَقبَلون الاعتراض أو الانتقاد،
حتى قال بعضهم:
لا تجادِلْ ولا تناقِشْ!

هذا إن لم يكن يُنبئ عن دكتاتورية واستبداد بالرأي،
فهو طريق إلى قتل المواهب ودفن الجهود التي قد نحتاج إليها يومًا ما فلا نَجدها.
فالواجب أن نسمع كل اعتراض،
وأن نُبيِّن لكل مستفهم؛ حتى يكون للفرد قيمتُه،
ويشارك في صنع القرار، ويقترح الحلول،
ولا نسمح للدكتاتورية أو التفرد أن يأخذ بزمام المبادرة،
وإلا صِرنا إلى ما صار إليه فرعون وقومه حين قال لهم:
﴿ أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى ﴾ [غافر: 29].

والله أعلم.