المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الحج دعوة لوحدة الأمة وجمع الكلمة


سلسبيل بيلا
06-17-2018, 11:18 PM
الحج , دعوة , لوحدة , الأمة , جمع , الكلمة , مشارق , عميق , رجالا , الانعام , البائس , الفقير , خليل , الملتقيات



عباد الله:
لئن كثرت التجمعات وتعددت الملتقيات فإنها لن تكون كالاجتماع الشامل والملتقى العام الذي يأتيه الناس من مشارق الأرض ومغاربها ويجتمع فيه الحجيج من كل فج عميق يجتمعون في رحاب بيت الله مستجيبين لنداء خليل الله إبراهيم عليه الصلاة والسلام الذي أمره ربه بأن يؤذن في الناس بالحج فقال له ﴿ وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ * لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ ﴾ [الحج: 27، 28].

إنها فريضة الحج هذه الفريضة التي عظمت مناسكها وجلت مظاهرها وسمت آثارها ففيها من المنافع والمصالح مالا يحصيه المحصون ولا يقدر على عده العادون ويكفي من منافعها انتظام شمل المسلمين ووحدة كلمتهم وإظهار قوتهم والتقاؤهم في تلك البقاع المقدسة التي تتجلى فيها روح المساواة والوحدة والسلام فالجميع قد طرحوا الملابس والأزياء ولبسوا لباساً موحداً هو لباس الإحرام الذي يلبسه الغني والفقير والمأمور والأمير والصغير والكبير وجنبات الحرم تدوي بالتهليل والتكبير وكلمات التلبية وعبارات التوحيد يسمعها الناس في كل أرجاء الدنيا في ذلك المنسك العظيم.

في الحج يجتمع العلماء الربانيون والدعاة المخلصون وقادة الأمة الصادقون والحكماء الناصحون والأئمة والمرشدون فيتدارسون أمر الأمة ويناقشون همومها ويملئون الجو روحانية وخشوعاً فتلين القلوب القاسية وتخشع النفوس العاصية وتفيض العيون الجامدة وتتزل عليهم الرحمة وتغشاهم السكينة فهناك يتعلم الجاهل ويتحمس الخامد وتكتسب الأمة قوة وطاقة جديدة فيا خسارة من استطاع الحج وتركه تكاسلاً وتهاوناً ويا اسفى على من يسر الله له أموره المادية وأمده بالصحة والعافية فلم يحج ولم يبادر إلى الحج يقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((تعجّلوا إلى الحج، فإن أحدكم لا يدري ما يعرض له)) رواه أحمد وحسنه الألباني ويقول - صلى الله عليه وسلم - ((تابعوا بين الحج والعمرة؛ فإنهما ينفيان الفقر والذنوب كما ينفي الكير خبث الحديد والذهب والفضة، والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة)) رواه الترمذي وصححه الألباني.

إن الحج يدعو إلى الارتقاء بأوضاع هذه الأمة وتحقيق تضامنها وجمع صفها والسعي لتوحيد كلمتها والعمل على لم شملها وبذل المستطاع للاستفادة من هذا الركن العظيم في شحذ الهمم ودفع العزائم لجمع كلمة الأمة وتحقيق وحدتها ضد قوى الطغيان والعدوان.

إن الواجب على علماء المسلمين وقادتهم أن يتخذوا من موسم الحج مؤتمراً للتعارف والتشاور وتنسيق الخطط وتوحيد الجهود وتبادل المنافع والتجارب لأن الحج هو الفرصة العظيمة لجمع المسلمين تحت ظل شرع الله بالقرب من بيت الله في أنسب مكان وأشرف زمان.

عباد الله:
إن أهل الإسلام في كل مكان قد تشتتوا وتفرقوا وتنازعوا واختلفوا وعادى بعضهم بعضاً لا سيما بعد هذه الأحداث العالمية والمتغيرات الدولية التي تمر بها الأمة الإسلامية ولا مخرج للأمة من هذه الأزمات وهذا الشتات إلا بالتوحد والتعاون والتآزر والتناصر ولا شك أن هذه المناسبة العظيمة مناسبة الحج لتؤكد على هذا الجانب وتدعوا إليه بشكل واضح فهناك توحد في المشاعر وتوحد في الشعائر وتوحد في المواقف وتوحد في التلبية وتوحد في اللباس ولا يمكن أبداً للمسلمين أن يحتشدوا بهذا العدد في وقت واحد إلا في ذلك الاجتماع العظيم فهل ستستفيد مكوناتنا السياسية والقبلية والحزبية بكل طوائفهم وفصائلهم من هذه الفريضة في رص صفوفها وإصلاح ذات بينها.

إن رسولنا - صلى الله عليه وسلم - خطب الناس يوم الحج الأكبر فقال "أيها الناس إن دمائكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا في شهركم هذا ثم قال في نهاية الخطاب ألا هل بلغت اللهم فاشهد اللهم فاشهد اللهم فاشهد فليبلغ الحاضر منكم الغائب".

يقول الله سبحانه وتعالى ﴿ الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ ﴾ [البقرة: 197].

الخطبة الثانية

إن أيامكم هذه أيام حافلة بالخيرات والهبات مليئة بالمنافع والبركات ففيها يعتق الله العباد من النار وفي عشية يوم عرفة ينزل ربنا إلى السماء الدنيا فيدنوا من الحجاج وهم وقوف بعرفة ثم يباهي بهم الملائكة.

أفلا نتشوق إلى أن نكون من العتقاء من النار؟! ألا نحب أن تدرج أسماؤنا في قائمة السعداء الفائزين بالفضل والأجر في هذه العشر.

عباد الله:
أكثروا من الدعاء لأنفسكم وأهلكم وإخوانكم وأمتكم في هذه الأيام التي تسكب فيها العبرات وتستجاب فيها الدعوات وصوموا يوم عرفة الذي سيصادف يوم الخميس القادم بإذن الله فإن صومه يكفر السنة الماضية والسنة الباقية وهذا فضل عظيم ينبغي علينا أن نحافظ عليه ونهتم به ونأمر أهلنا وأولادنا بصيامه يقول النبي - صلى الله عليه وسلم - "صيام عرفة يكفر السنة الماضية والسنة القابلة" رواه مسلم.