المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الصحابة والعلم ، الصحابة


إسهام
09-21-2014, 08:00 AM
الصحابة ،العلم، مختلفة ،رسول الله، التكامل ،التكافل ،مجالات، الدعوة، التعاون ، الإسلام

الصحابة كانوا ينظرون إلى العلم نظرة خاصة جداً، نظرة معظّمة جداً، نظرة تجل جداً العلم وكل من حمل العلم، وهذه نماذج تبين لنا كيف كان الصحابة يقدرون قيمة هذا العلم؟ وما هو مفهومهم عن العلم؟

فهذا زيد بن ثابت رضي الله عنه وأرضاه ذهب -وهو لم يتم الثالثة عشرة من عمره- للالتحاق بجيش المسلمين المشارك في بدر، ولكن الرسول صلى الله عليه وسلم رده لصغر سنه، فرجع إلى أمه رضي الله عنه يبكي من الحزن، ولكنه عند عودته فكّر في أن يخدم الإسلام بطريقة أخرى، فهل أستطيع أن أخدم الإسلام بطريقة غير طريقة الجهاد في سبيل الله ما دام الجهاد غير ميسّر لي في هذا الوقت؟

إن أحدنا حين يفشل في إحدى مجالات الدعوة، أو إحدى مجالات العمل للإسلام، أو يُغلق عليه باب من أبواب العمل للإسلام من غير إرادته، أي: أنه لو أراد الجهاد وليس هناك فرصة للجهاد، أو أراد أن ينفق وهو فقير، فهو عنده رغبة في العمل لله عز وجل لكن ليس له إمكانيات، ففي ذلك الوقت يحبط، ويعتقد أن هذا هو آخر الدنيا! وهذا خطأ، فنحن إمكانيات مختلفة ومواهب مختلفة، فكل فرد منا يستطيع أن يعمل في مجاله، وهذه هي حلاوة الإسلام وحلاوة التكامل والتكافل والتعاون في الإسلام، فإذا كان لم ينفع زيد في هذا الوقت في الجهاد فمن الممكن أن ينفع في شيء آخر.

فـزيد بن ثابت رضي الله عنه وأرضاه تذكر أنه يتميز بملكة الحفظ، وملكة القدرة على التعلم، وملكة القراءة، والقراءة كان شيء نادراً في ذلك الزمان، فأخبر بذلك أمه وأقاربه، وطلب منهم أن يذهبوا به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرضون عليه أن يوظّف طاقته العلمية في خدمة رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي خدمة دين الإسلام، فذهبت به أمه النوار بنت مالك رضي الله عنها وأرضاها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالت: (يا نبي الله هذا ابننا زيد بن ثابت يحفظ سبع عشرة سورة من كتاب الله، ويتلوها صحيحة كما أنزلت على قلبك، وهو فوق ذلك حاذق يجيد الكتابة والقراءة) وهذه فعلاً إمكانيات عالية جداً، وبالذات في ذلك الزمن الذي كان فيه الكثير من الناس لا يستطيعون القراءة أو الكتابة، ثم تكمل السيدة النوار بنت مالك فتقول: (وهو يريد أن يتقرب بذلك إليك، وأن يلزمك، فاسمع منه إذا شئت)، وهذا الكلام أنا أريد أن أقوله لجميع شباب المسلمين: زيد بن ثابت رضي الله عنه وأرضاه بدأ رحلته في خدمة الإسلام وعمره ثلاث عشرة سنة، وبعض المسلمين كان يسد ثغرة الجهاد والقتال، وزيد بن ثابت ذهب ليسد ثغرة أخرى مهمة جداً، فكل بحسب إمكانياته، فالشباب عندهم طاقة عالية جداً، فهناك شباب عندهم مهارة في الكمبيوتر، وهناك شباب عندهم مهارة في الخطابة، وهناك شباب عندهم مهارة في الرياضة المفيدة، وهناك شباب عندهم مهارة في الكتابة والبحث والدراسة، وهناك شباب عندهم مهارة في الترجمة، فكل واحد من المؤكد أن عنده مجالاً متفوقاً فيه، والمهم أن تكون رغبة خدمة الإسلام موجودة، وعند ذلك سوف تجد المجال الذي تستطيع أن تسد فيه إن شاء الله تعالى.

واستمع النبي صلى الله عليه وسلم لـزيد بن ثابت واختبره، وقدّر مواهبه وأُعجب به، ثم أراد أن يستفيد منه على نقاط أوسع، فعرض عليه فرعاً جديداً من فروع العلم، ولم يقل له الرسول صلى الله عليه وسلم: تعلم الفقه أو الحديث أو العقيدة، لا، ولكنه قال له: تعلم اللغات الأجنبية، وتخيل وفي هذا العمق في التاريخ الرسول الله صلى الله عليه وسلم يهتم باللغات الأجنبية في تكوين الأمة المسلمة، لأنه علم في غاية الأهمية، ولأن المسلمين يحتاجون جداً إلى هذه اللغة في ذلك الزمن، فأمره النبي صلى الله عليه وسلم بأن يتعلم العبرية، حيث قال له: (يا زيد تعلم لي كتابة اليهود العبرية فإني لا آمنهم على ما أقول) ومن المؤكد أن كان الرسول صلى الله عليه وسلم لو كان يعيش معنا في هذه الأيام لأمر بتعلم اللغة الإنجليزية والفرنسية والألمانية والصينية وغيرها، فكم ستكون مقدار الفائدة عندما يكون عند المسلمين شباب يتقنوا اللغات الأخرى غير اللغة العربية، وليس ذلك على حساب اللغة العربية، وكم مقدار الفائدة التي من الممكن أن يفيدوا الإسلام ويخدموا الأمة الإسلامية بكاملها، وكم سيكتشفون من حيل وألاعيب وخطط للأعداء، وكم من الممكن أن يكونوا دعاة إلى الله عز وجل ويردون على الشبهات، فهذا عمل كبير جداً من الممكن أن يعمله الذين يفهمون لغة أخرى، وانظروا إلى زيد بن ثابت رضي الله عنه بهذه الحمية وهذا الإخلاص لدين الله عز وجل، وهذه الرغبة في خدمة هذا الدين، فيذهب ويتعلم اللغة العبرية، فهل تعلمها في سنة أو سنتين أو أربع؟ وفي أي كلية تعلمها؟ يقول زيد بن ثابت : فتعلمتها في سبع عشرة ليلة، فكنت أتكلمها كأهلها، فانظروا إلى هذه البركة عندما يكون عند الواحد رغبة فالله عز وجل يساعده، والمهم أن يكون هذا التعلم ليخدم دين الله سبحانه وتعالى، وليثبت أقدام الدولة الإسلامية في الأرض، ثم تعلم اللغة السريانة في وقت يسير كذلك، ثم صار بذلك ترجمان رسول الله صلى الله عليه وسلم، أي: أنه مترجم الدولة الإسلامية في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان عمره ثلاث عشرة سنة، وبدأ زيد يترقى في مناصب العلم، وبدأ يبرع وينبغ في تخصصه رضي الله عنه وأرضاه، وصار كاتباً للوحي وليس مترجماً فحسب، فهو يستطيع أن يكتب ويقرأ عربي وغير عربي، ثم صار حافظاً لكتاب الله عز وجل، وكانت هذه نادرة في الصحابة أن يكون واحداً يحفظ كل الكتاب في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهناك كثير من الصحابة حفظوا الكتاب بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم، لكن لم يكن الكثير يحفظونه والرسول صلى الله عليه وسلم حي بين أظهرهم.

فـزيد بن ثابت كان من هؤلاء القلة، فقد حفظ القرآن كاملاً في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعندما مات الرسول صلى الله عليه وسلم كلفه أبو بكر الصديق رضي الله عنه وأرضاه بجمع القرآن بعد وفاة كثير من الحفاظ في موقعة اليمامة المشهورة، فجمع القرآن وهو لم يبلغ من العمر ثلاثاً وعشرين سنة، وانظروا إلى هذه المهمة الصعبة، فهي مهمة من أعظم المهمات، ومن أخطر المهمات أن يجمع القرآن الكريم ليظل مجموعاً ومحفوظاً إلى يوم القيامة، والعجب أن هذه المهمة؟ هذه المهمة أوكلت إلى الشاب الصغير زيد بن ثابت في وجود عمالقة الصحابة، وفي وجود أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير وسعد وغيرهم، فلماذا كل هذا؟ إنه العلم الذي رفع من قدر زيد بن ثابت رضي الله عنه وأرضاه، فالعلم يرفع أقواماً ويضع آخرين، والعلم ميراث الأنبياء، من أخذه أخذ بحظ وافر.

واسمع إلى قول عمر بن الخطاب في زيد بن ثابت رضي الله عنه: من أراد أن يسأل عن القرآن فليأت زيد بن ثابت ، فانظر إلى هذا التعظيم والتبجيل، فهذا عمر بن الخطاب شيخ من شيوخ الصحابة وعملاق من عمالقة الصحابة يقول: الذي يريد أن يعرف شيئاً عن القرآن فليذهب إلى هذا الشاب زيد بن ثابت .

وانظر إلى عبد الله بن عباس رضي الله عنهما حبر الأمة، فقد كانوا يطلقون عليه لفظاً جميلاً وعميقاً جداً، فيقولون عنه: البحر عبد الله بن عباس ؛ لسعة علمه، أي: أنه هو الحبر وهو البحر رضي الله عنه وعن أبيه.

هذا الصحابي الجليل عندما رأى زيد بن ثابت رضي الله عنه وهو يريد ركوب دابته، فوقف بين يديه وأمسك له بركابه وأخذ بزمام دابته، أي: أنه يساعده في ركوب الدابة، فانظروا إلى هذا الاحترام والتعظيم والتبجيل من ابن عباس لـزيد بن ثابت رضي الله عنه وأرضاه، مع أن الفرق بينهما ليس كبيراً، وإنما ثمان سنوات فقط، أي: أن زيد بن ثابت أكبر من عبد الله بن عباس بثمان سنوات فقط، فقال له زيد بن ثابت حياء منه: دع عنك يا ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيقول عبد الله بن عباس بفهم عميق: هكذا أُمرنا أن نفعل بعلمائنا. فهذا هو احترام العلماء في الإسلام، وانظر إلى الجمال في التعامل بين الصحابة، ماذا قال له زيد بن ثابت ؟ قال: أرني يدك، فأخرج ابن عباس يده له، فأخذها زيد وقبّلها، ثم قال: هكذا أُمرنا أن نفعل بآل بيت نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، فهؤلاء هم القدوة، وهذا هو المجتمع الصالح الذي نريد أن نبني مجتمعاً مثله، وتأمل قول أبي هريرة رضي الله عنه عندما مات زيد بن ثابت رضي الله عنه: اليوم مات حبر الأمة -مات في سنة خمس وأربعين للهجرة، وله من العمر ست وخمسون سنة- وعسى أن يجعل الله في ابن عباس رضي الله عنهما خلفاً له. وصدق أبو هريرة ، فقد كان عبد الله بن عباس نعم الخلف لنعم السلف رضي الله عنهم أجمعين.

وهذا معاذ بن جبل رضي الله عنه أسلم وكان عمره ثمان عشرة سنة، وشهد العقبة، وشهد كل المشاهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، بدر وأحد والأحزاب وفتح مكة وتبوك وغيرها، وخرج في الفتوحات الإسلامية في الشام أيام أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، وكان في وقت من الأوقات أمير الشام، ومع كل هذه الحياة الجهادية إلا أنه كان متفوقاً جداً في مجال العلم، ومن يوم إسلامه وهو مهتم بقضية العلم، وقد بعثه النبي صلى الله عليه وسلم إلى اليمن ليعلم أهلها الإسلام، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يعتمد عليه، وكان موسوعة علمية متحركة.

وعندما رجع معاذ بن جبل من اليمن بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم خرج إلى الشام مجاهداً، وكما أنه من عادته رضي الله عنه بجوار الجهاد تحصيل العلم وتعليمه الناس، تأمل قول أبي إدريس الخولاني رحمه الله -من التابعين- وهو يقول في حق معاذ بن جبل : أتيت مسجد دمشق فإذا حلقة فيها كهول من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، يعني: أن هذا اللقاء في هذا المسجد يحضره مشايخ وكبار الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين، وإذا بشاب فيهم أكحل العين براق الثنايا، وكلما اختلفوا في شيء ردوه إليه، فقلت لجليس لي: من هذا؟ فقال: معاذ بن جبل رضي الله عنه وأرضاه. فهذه قيمة العلم، وهذه قيمة تحصيل العلم، فهو منذ لحظات الشباب الأولى في حياته رضي الله عنه وأرضاه وهو يحصّل العلم، ولهذا وصل وسبق، ولهذا كانت الناس ترفعه فوق رأسها رضي الله عنه وأرضاه.

كذلك يروي لنا يزيد بن قطيب رحمه الله أيضاً -من التابعين- فيقول: دخلت مسجد حمص فإذا أنا بفتى جعد الشعر وقد اجتمع الناس حوله، فإذا تكلم كأنما يخرج من فيه نور ولؤلؤ، فقلت: من هذا؟ فقالوا: معاذ بن جبل رضي الله عنه، فكان رضي الله عنه موسوعة علمية فعلاً، لدرجة أن الرسول صلى الله عليه وسلم يقول في حقه كلمة عجيبة جداً: (أعلم أمتي بالحلال والحرام معاذ بن جبل) أي: أنه أعلم الأمة بالحلال والحرام، فهو عالم أسطورة، وهو لا يُقارن بطلبة في معهد إسلامي أو في كلية شرعية، وإنما يقارن بعمالقة صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، والرسول صلى الله عليه وسلم بنفسه يشهد له بهذه الشهادة من أنه أعلم الأمة بالحلال والحرام، وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على علو قدرهم وغزارة علمهم كانوا إذا تحدثوا وفيهم معاذ بن جبل نظروا إليه هيبة له وتعظيماً لعلمه.

فما الذي رفع قدره؟ وما الذي أعز منزلته؟ إنه العلم، وقد فقه ذلك معاذ رضي الله عنه فظل إلى آخر لحظات حياته طالباً للعلم، وظل إلى آخر لحظات حياته معلماً لغيره رضي الله عنه وأرضاه، قال في آخر حياته وهو على فراش الموت: اللهم إنك كنت تعلم أني لم أكن أحب الدنيا وطول البقاء فيها لغرس الأشجار وجري الأنهار، ولكن لظمأ الهواجر -أي: الصيام في الأيام الشديدة الحر- ومكابدة الساعات -أي: القيام الكثير في الليل- ومزاحمة العلماء بالركب عند حلق الذكر. فمتعته في الدنيا كانت: الصيام، والقيام، وتحصيل العلم، فهو يعيش في الدنيا من أجل هذه، ويستغرب الإنسان أن كل هذا العلم، وكل هذا الفهم، وأعلم أمة رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحلال والحرام وقد مات وعمره 37 سنة في السنة الثامنة عشرة للهجرة.

وهذا عبد الله بن عباس رضي الله عنهما حبر هذه الأمة، ومن أفضل علماء الإسلام، وقد وصل إلى هذه الدرجة وهو لم يكن شاباً في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم بل كان طفلاً، فقد مات الرسول صلى الله عليه وسلم وله من العمر أربع عشرة سنة فقط، لكنه لم يحصل هذه المنزلة من فراغ أو بسهولة، فلقد سعى سعياً حثيثاً لكي يصبح عالماً من علماء الإسلام، يقول عن نفسه: كان إذا بلغني الحديث عند رجل من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم أتيت باب بيته في وقت قيلولته، أي: أنه يذهب إلى الصحابي الذي عنده حديث من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم في وقت القيلولة، ليضمن وجوده في البيت، فيأخذ الصحابي وهو خارج من بيته فيسأله عن الحديث، وكان يقول: وتوسدت ردائي عند عتبة داره، فتسفُّ عليّ الريح من التراب ما تسفُّ، ولو شئت أن أستأذن عليه لأذن لي، أي: أنه لو طرق عليه الباب لفتح له، ومع ذلك لا يريد أن يطرق بابه، لماذا؟ يقول: وإنما كنت أفعل ذلك لأطيب نفسه، فإذا خرج من بيته رآني على هذه الحالة، فيقول: يا ابن عم رسول الله ما جاء بك؟ هلاَّ أرسلت إليّ فآتيك؟ فأقول: أنا أحق بالمجيء إليك، فالعلم يؤتى ولا يأتي، ثم أسأله عن الحديث، وبهذا أصبح عبد الله بن عباس رضي الله عنهما حبر هذه الأمة.

فتأمل هذا الكلام للعبرة وللتقليد، فهذا هو المجهود الذي كان يبذله للتعلم، وربما أن أحدنا أحياناً يكسل عن الذهاب إلى المكتبة التي بجواره، من أجل أن يبحث عن حديث لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن أجل الوصول إلى هذا الحديث كان عبد الله بن عباس رضي الله عنه وأرضاه ورضي الله عن أبيه كان ينام في الريح والتراب..
للشيخ : ( راغب السرجاني (http://audio.islamweb.net/AUDIO/index.php?page=lecview&sid=985) )

لوجين
09-21-2014, 08:48 AM
رضي الله عنهم وارضاهم
جزاكي ربي خيرا وجعله بميزان حسناتك حبيبتي