المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : تفسير لسورة (أبراهيم)


حنين الاشواق
01-14-2012, 03:04 PM
{الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ(1)}
هكذا يستهل الحق سبحانه هذه السورة بالحروف المقطعة (ألف) (لام) (راء)، وسبق أن قلنا: إنها حروف توقيفية بلَّغها رسول الله لنا كما سمعها من جبريل عليه السلام.
إلا أن المُلاحَظ أن هذه الحروف التوقيفية المُقطَعة لم تَأْتِ وحدها في هذه السورة كآية منفصلة؛ مثل قوله في أول سورة ق: {ق} [ق: 1].
وهي آية بمفردها، وكما جاء في غير ذلك من السور بحروف مقطعة وأثبتها كآيات. وهنا تأتي الحروف التوقيفية المقطعة كجزء من الآية.
ويقول الحق سبحانه: {الر كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ...} [إبراهيم: 1].
كلمة (كتاب) إذا أطلقت انصرف معناها إلى القرآن؛ فهو يُسمَّى كتاباً؛ ويُسمَّى قرآناً، ويُسمَّى تنزيلا، وله أسماء كثيرة.
وكلمة (كتاب) تدل على أنه مكتوب، وكلمة (قرآن) تدل على أنه مقروء، وهذان الاسمان هما العُمْدة في أسماء القرآن؛ لأنه كتاب مكتوب ومقروء.
فكان الصحابي الذي يجمع القرآن لا يكتب آية إلا إذا وجدها مكتوبة، ووجدها مَقْروءة عن اثنين من الصحابة؛ فالقرآن كتاب يملك الدليل على كتابته من عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ وهو مَقْروء كما تدلُّ كملة (قرآن).
وقوله الحق: {أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ...} [إبراهيم: 1].
يدلُّ على أنه جاء من عُلُوٍّ.
ويقول الحق سبحانه في موقع آخر عن القرآن: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الكتاب تِبْيَاناً لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وبشرى لِلْمُسْلِمِينَ} [النحل: 89].
ويقول في موقع آخر: {وبالحق أَنْزَلْنَاهُ وبالحق نَزَلَ...} [الإسراء: 105].
ومرة يسند النزول إلى مَنْ جاء به؛ ومرة ينسب النزول إلى الكائن الذي أرسله الحق بالقرآن إلى محمد صلى الله عليه وسلم، وهو جبريل عليه السلام.
فقوله: {أَنزَلْنَاهُ...} [إبراهيم: 1] للتعدي من منطقة اللوح المحفوظ ليباشر مهمته في الوجود، وعلِّيّة إنزال القرآن إليك يا محمد هي: {لِتُخْرِجَ الناس مِنَ الظلمات إِلَى النور..} [إبراهيم: 1].
ونلحظ هنا أن القرآن نزل للناس كافَّة، ولم يَقُلِ الحقُّ سبحانه ما قاله للرسُل السابقين على رسول الله؛ حيث كانت رسالة أيٍّ منهم مُحدَّدة بقوم مُعيَّنين، مثل قوله تعالى: {وإلى عَادٍ أَخَاهُمْ هُوداً...} [الأعراف: 65].
وقوله الحق: {وإلى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْباً...} [الأعراف: 85].
وكذلك قوله سبحانه لموسى: {وَرَسُولاً إلى بني إِسْرَائِيلَ...} [آل عمران: 49].
وهكذا كان كُلُّ رسول إنما يبعثه الله إلى بُقْعة خاصة، وإلى أُنَاسٍ بعينهم، وفي زمن خاصٍّ، إلا محمداً صلى الله عليه وسلم؛ فقد بعثه الله إلى الناس كَافَّة.
والمثل أمامنا حين حكم صلى الله عليه وسلم بالحق بين مسلم ويهودي؛ وأنصف اليهودي: لأن الحق كان معه؛ والحق عند رسول الله صلى الله عليه وسلم أعزُّ عليه مِمَّنْ ينتسب إلى الإسلام.
وهكذا نرى أن قوله الحق: {لِتُخْرِجَ الناس مِنَ الظلمات إِلَى النور...} [إبراهيم: 1].
دليل على عمومية الرسالة، ويُعزِّزها قوله: {إِنِّي رَسُولُ الله إِلَيْكُمْ جَمِيعاً} [الأعراف: 158].
وبذلك تبطل حُجَّة مَنْ قالوا إنه مُرْسَلٌ للعرب فقط.
ونجد هنا اصطفاءين لرسول الله صلى الله عليه وسلم.
الاصْطفاء الأول: أن الحق سبحانه قد اختاره رسولاً؛ فمجرد الاختيار لتلك المهمة: فهذه منزلة عالية.
والاصْطفاء الثاني: أنه رسولٌ للناس كَافَّة؛ وهذه منزلة عالية أخرى؛ لأنها تستوعب المكان والزمان، والألسنة والأقوام.
ثم يأتي الإعجاز في قوله: {لِتُخْرِجَ الناس مِنَ الظلمات إِلَى النور...} [إبراهيم: 1].
ولم يَقُلْ من الظلمات إلى الأنوار، وشاء أنْ يأتي بالظلمات كجمْع؛ وأنْ يأتي بالنور كالمفرد، لأن النور واحد لا يتعدد؛ أما الظلمات فمتعددة بتعدُّد الأهواء؛ ظُلْمة هنا وظُلْمة هناك.
وهكذا يشاء الحق سبحانه أن يُجلي المعاني بالمُحسَّات التي يدركها الجميع، فلا شك أن الظُّلْمة تستر الأشياء التي قد يصطدم بها الإنسان فيمتنع عن السير مطمئناً؛ لأنه إنِ اصطدم بشيء فقد يُحطِّم الشيء أو يُحطِّمه هذا الشيء؛ وهكذا تمنع الظُّلْمة الإنسان من أن يهتدي إلى ما يريد.
أما النور فهو يوضح الأشياء، ويستطيع الإنسان أن يُميِّز بين الطرق ويتجنب الضار ويتجه إلى النافع؛ ويكون على بصيرة من الهداية؛ ذلك هو الأمر الحِسيّ؛ وكُلٌّ من النور والظلمة أمرٌ حِسي.
وهكذا يُجلِّي الله لنا المعاني، والحياة لا تحتاج فقط إلى ما يُجلي المظاهر المادية بالنور؛ بل تحتاج أيضاً إلى نور يُجلي المظاهر المعنوية؛ من حقد وحسد، وخوف وأمن، واطمئنان، وأمانة ووفاء؛ وغير ذلك.
فالحياة كلها فيها الشيء وما يقابله؛ لذلك لابد أن تُجْلَي المعاني أيضاً. والنور الذي جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم يُجلي الحِسّ والمعنى في آن واحد؛ لنتجنب الأشياء التي تطمسها الظُّلْمة؛ ولنسير على بينة من المعاني، فلا نصطدم بالعقبات.
ولذلك يُفسِّر لنا الحق سبحانه الأمر المعنوي، فيقول: {إلى صِرَاطِ العزيز الحميد...} [إبراهيم: 1].
وهذا هو الصراط المستقيم الذي يُخرجنا إليه محمد صلى الله عليه وسلم من الظلمات إلى نوره.
ويريد الحق سبحانه أنْ يُجلي لنا الطريق إلى هذا الصراط، لأنه قد يكون مُتعباً للبعض؛ فيريد سبحانه أن يجمع لنا بين أمرين؛ طريق متضح واضح يَصِل فيه الإنسان إلى الغاية بِيُسْر؛ وطريق آخر غير واضح لا تتجلى فيه الأشياء.
وجاء بالظلمات والنور ليوضح لنا هذا المعنى؛ حيث يكون الطريق المستقيم هو أقصر وسيلة للغاية المَرجُوّة من الحياة الدنيا والآخرة؛ ويكون طريق الظلمات هو الطريق غير الآمن.
وينسب الحق سبحانه الطريق الذي يُخرِجنا إليه الرسول صلى الله عليه وسلم: {إلى صِرَاطِ العزيز الحميد} [إبراهيم: 1].
والعزيز هو الذي يَغْلِب ولا يُغْلَب. والحميد هو مَنْ ثبتت له صفة الحمد من الغير، وإنْ لَم يصدر حَمْدٌ من الغير؛ فهو حميد في ذاته، ويجب أن يُحمد رغم أنك إن حمدتَه أو لم تحمده فهو حميد.
ولله المَثلُ الأعلى، وسبحانه مُنَزَّه عن كل مثيل أو شبيه؛ نجد في حياتنا الدنيا مَنْ يُقال عنه إنه حميد الخصال؛ وإنْ لم يوجد مَنْ يمدحه؛ لكنه في كُلِّ ما يصدر عنه يراعي أن يكون محموداً.
ولكن البشر يكون المحمود منهم حَدثاً؛ أما المحمود من الحق فهو مُطْلق، ولا تكون الذاتُ محمودة أو حميدة إلا إذا كان لها من الصفات ما يجعلها أهلاً للإنعام الذي يجب على الإنسان أن يحمده.
والفطرة السليمة في الإنسان تستقبل هذا الكون المُعَدّ من قَبْل أنْ يوجد لاستقباله، وتحب أن تحمد مَنْ صنع هذا الكون، رغم أن حَمْد الإنسان أو عدم حَمْده لا يضيف شيئاً لِمَنْ أعدَّ هذا الكون وخلقه؛ فهو محمود في ذاته.
وإن حمدته فهذا لمصلحتك؛ وفي هذا هداية إلى صراط العزيز الذي لا يُغْلب، والحميد الذي يستحق الحمد؛ وإنْ لم يوجد حامد له؛ لأن صفاته سبحانه أزلية.
فالله خالق قبل أن يخلق الخلق؛ وهو الرازق قبل أن يُخْلق المرزوق، وهو مُعِز قبل أن يوجد مَنْ يُعِزه؛ محمود قبل أنْ يوجد مَنْ يحمده؛ توَّاب قبل أن يوجد مَنْ يتوب عليه.
فهو سبحانه بالصفة يفعل؛ أما الإنسان فلا يفعل إلا إذا فعل الصفة، فأنت لا تعرف أن فلاناً كريم؛ إلا لأنك تراه يعطي عن جُودٍ وسَخاء، أما الله فهو الكريم من قبل أن يوجد مَنْ يُكرمه.
ويقول سبحانه من بعد ذلك: {الله الذي لَهُ مَا فِي السماوات...}.


{اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَوَيْلٌ لِلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ(2)}
وأنت إنْ قرأتَ هذه الآية موصولةً بما قبلها؛ فستقرؤها: {صِرَاطِ العزيز الحميد الله الذي لَهُ مَا فِي السموات وَمَا فِي الأرض} [إبراهيم: 1-2].
وإن كنتَ ستقرؤها مَفْصُولة عمَّا قبلها؛ فستقول: {الله الذي لَهُ مَا فِي السموات وَمَا فِي الأرض وَوَيْلٌ لِّلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ} [إبراهيم: 2].
وستنطق كلمة (الله) غير مُرقَّقة عكسَ إنْ قرأتَها موصولة، حيث يجب أن تنطقها مُرقَّقة.
وتقتضي الأصول في الكتاب أن يوجد الاسم العلَم على الذات أولاً، ثم تأتي الصفة من بعده، فتقول: (لقيت فلاناً الشاعر أو الكاتب أو العالم)، لكن الأمر هنا جاء على غير هذا النَّسَق: {صِرَاطِ العزيز الحميد} [إبراهيم: 1].
أي: قدَّم {العزيز الحميد} ثم جاء بلفظ الجلالة، وهو العلَم على واجب الوجود (الله)، وقد حدث ذلك لأن العلَمَ يدل على مُسمَّاه بصرف النظر عن الصفات؛ ثم توجد الصفات له.
وهناك من العلماء مَنْ قال: إنه مُشْتق بمعنى أن (الله) تعني المعبود بحقٍّ؛ وصفة العزيز الحميد حيثية لأنْ يُعبدَ سبحانه بحقٍّ.
ومن العلماء من قال: إن كلمة (الله) هي علَم، وليست اسماً مُشْتقاً؛ فَلَهُ الملكية المطلقة: {الذي لَهُ مَا فِي السموات وَمَا فِي الأرض} [إبراهيم: 2].
لا يقع في هذا المُلْك إلا ما شاء هو، فَمنْ آمن به أنصف نفسه وحياته وآخرته، أما مَنْ لم يؤمن به فَلَه المقابل، وهو قوله الحق: {وَوَيْلٌ لِّلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ} [إبراهيم: 2].
وهذا الوَيْل ليس في الآخرة فقط، بل في الدنيا أيضاً؛ لأن الإنسان يدفعها بها؛ هنا يستطيع المؤمن أن يذكر أن له رباً فوق الأسباب؛ويرتاح إلى معونة الحق سبحانه له، وهكذا يشعر أن له رصيداً في الدنيا يعتمد عليه في مواجهة الأحداث الجِسَام.
أما غير المؤمن فليس أمامه سوى اليأس؛ ولذلك نجد انتشار الانتحار بين غير المؤمنين؛ لأن هناك أحداثاً فوق أسبابهم، ولا يستطيعون دفعها، وليس لهم إيمان بربٍّ يرجعون إليه.
ولذلك حين أقرأ للمفسرين مَنْ يشرح كلمة (الويل) بأنها عذابُ الآخرة؛ فأجد نفسي قائلاً: بل والوَيْل يكون في الدنيا أيضاً؛ لأن الكثير من أحداث الحياة يكون فوق أسباب الإنسان؛ فلو لم يؤمن الإنسان بالله لَفزِع من فَرْط اليأس.
ولذلك نجد بعضهم حين لا يجدون مَفَرّاً إلا أنْ يقولوا يا رب، وهم بذلك يعلنون صرخة الفطرة الأولى التي قاوموها بالإلحاد وعدم الإيمان؛ وهذا الويل له امتداد بلون أشد في الآخرة.
ويصف الحق سبحانه هؤلاء الذين لا يؤمنون، فيقول: {الذين يَسْتَحِبُّونَ الحياوة الدنيا...}.


{الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ(3)}
وهنا نجد مادة الحاء والباء؛ حب؛ ومن عجائبها أن الفعل يكون رباعياً؛ فنقول (أحبَّ فلان) ونقول لِمَنْ يحبه (محبوب) وهذا يعني أن هناك تلاقياً بين الاثنين؛ أما في حالة عدم التلاقي فيقال (حَبَّ يُحِب فهو حَابٌّ مُحِبٌّ).
والفرق بين أحبَّ واستحبَّ؛ ملحوظٌ في مَجيء السين والتاء، وهما علامة على الطلب. على هذا فاستحبَّ تعني أنَ مَنْ يحب لم يكتَفِ بالأمر الطبيعي، بل تكلَّف الحب وأوغلَ فيه.
والمثل على ذلك نجده في الحياة اليومية؛ فنرى مَنْ ينجرف إلى شيء من الانحراف؛ ولكنه لا يُحِب أن يكون مُحِباً لهذا الانحراف في نفس الوقت؛ ويفعل الانحراف وهو كَارِهٌ له، وقد يضرب نفسه ويلومها لأنها تنجرف إلى هذا الانحراف.
ونجد آخر ينحرف؛ لأنه يحب هذا الانحراف وينغمس فيه؛ وهو مُحِبٌّ لهذا الانغماس ويتحدث بهذا الانحراف؛ ويُحب في نفسه أنه أحب تلك المعصية؛ لأنها تُحقّق له شهوة عاجلة؛ هذا هو مَنِ (استحبَّ) لأنه ازاد الحب عن حَدِّه الطبيعي.
وحين تُدقِّق في الآية الكريمة تجد أنها لا تمنعك من حُبِّ الدنيا؛ لكنها تتحدث أنْ تستحِبَّها على الآخرة، فهذا هو الأمر المذموم؛ أما إذا أحببت الدنيا لأنها تُعينك على تكاليف دينك وجعلْتَها مزرعة للآخرة؛ فهذا أمر مطلوب؛ لأنك تفعل فيها ما يجعلك تسعد في آخرتك؛ فهذا طَلَب للدنيا من أجل الآخرة.
ولذلك تجد قوله الحق في سورة (المؤمنون). {والذين هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ} [المؤمنون: 4].
فهو لا يؤدي الزكاة فقط؛ بل يعمل لِيأتيَ لنفسه ولعياله بالقُوتِ؛ ويبذل الجهد ليكون لديه فائضٌ يؤدي منه الزكاة؛ ولذلك فهو لا يعمل قَدْر حاجته فقط بل على قَدْر طاقته ليحقق ما يمكن أنْ يُعطِيه لِمَنْ لا يقدر على العمل.
ولذلك لم يَقُل الحق سبحانه: (والذين هم للزكاة مؤدون) بل قال: {والذين هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ} [المؤمنون: 4].
وهنا لا نجد هؤلاء الذين يستحبّون الحياة من أجل أنْ يجعلوها مزرعة للآخرة؛ بل هم يستحِبّون الحياة: {وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ الله...} [إبراهيم: 3].
أي: أنهم لم يكتفوا بحُبِّ الدنيا على الآخرة فقط، ولم يكتفُوا بالسَّيْر في طريق الشهوات والملذَّات وتخريب ذواتهم، بل تمادَوْا في الغي وصَدُّوا غيرهم عن سبيل الله.
ونجد الحق سبحانه يقول في موقع آخر: {لِمَ تَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ الله مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجاً...} [آل عمران: 99].
كأنهم ضَلُّوا في ذواتهم؛ ولم يكتفوا بذلك، بل يحاولون إضلال غيرهم ويصدونهم عن الهداية.
ثم تأتي مرحلة جديدة: {وَيَبْغُونَهَا عِوَجاً...} [إبراهيم: 3].
أي: يبغون شريعة الله مُعْوجة لتحقق لهم نزواتهم. وهكذا نجد ثلاث مراتب للضلال، استحباب الحياة الدنيا على الآخرة؛ والصَّد عن سبيل الله؛ وتشويه المنهج كي يُكِّرهوا الناس فيه.
ويصف الحق سبحانه هؤلاء: {أولئك فِي ضَلاَلٍ بَعِيدٍ} [إبراهيم: 3].
أي: أن أصحاب المرتبة في الضلال هم مَن استحبَّوا الحياة الدنيا على الآخرة، والذين توغَّلوا في الضلال أكثرَ فهم الذين يصدون عن سبيل الله؛ أما الذين توغلَّوا أكثر فأكثر فَهُم الذين يُشوِّهون في منهج الله لتنفير الناس منه، أو ليحقق لهم نزواتهم، وهكذا ساروا إلى أبعد منطقة في الضلال.
ويقول الحق سبحانه من بعد ذلك: {وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ...}.

حنين الاشواق
01-14-2012, 03:05 PM
{وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ(4)}
ونعلم أن الرسول صلى الله عليه وسلم مُبلِّغ عن الله منهجه؛ ومُؤيَّد بمعجزة تثبت صدقة فيما بلغ لمَنْ أُرسِل إليهم. وقد حدَّث الحق سبحانه من قبل عمَّا حدث للأمم السابقةَ على أمة محمد صلى الله عليه وسلم؛ فقد كان كل رسول يتكلم بلغة قومه.
وهناك فرق بين قوم الدعوة وهم أمة رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ وقوم الاستقبال؛ وهم الأمم السابقة على أمة محمد صلى الله عليه وسلم.
فالأمم السابقة لم تكن مُطَالبةَ بأن تُبلِّغ دعوة الرُّسل الذين نزلوا فيهم، أما أمة محمد صلى الله عليه وسلم فمُطَالبة بذلك، لأن الحق سبحانه أرسل رسوله صلى الله عليه وسلم، وأبلغنا في القرآن أن من آياته سبحانه أن جعل الناس على ألسنة مختلفة.
ولم يُكنْ من المعقول أن يرسل رسولاً يتكلم كل اللغات، فنزل صلى الله عليه وسلم في أمة العرب؛ وحين استقبلوه وأُشرِبَتْ قلوبهم حُبّ الإيمان؛ صار عليهم أن ينساحوا بالدعوة؛ لينقلوا معنى القرآن حجة بعد أن استقبلوه معجزة.
والقرآن حُجَّة لأنه يسوسُ حركة الحياة؛ وحركاتُ الحياة لا تختلف في الناس أجمعين، كما أن كُلَّ حضارة تأخذ من الأخرى مُنجزاتِها العلمية، وتُترجمها إلى لسانها الذي تنطق به.
وترجمة المعاني من لسان إلى آخر مسألة معروفة في كُلِّ حضارات العالم؛ لأن المسألة في جوهرها مسألة معانٍ؛ والمعاني لا تختلف من أمة إلى أخرى.
والقرآن معانٍ ومنهج يصلح لكل البشر؛ ونزل العربية؛ لأن موهبة الأمة العربية هي النبوغ في اللغة والكلام؛ وهكذا صار على تلك الأمة مهمة الاستقبال لمنهج الله كمعجزة بلاغية؛ وإرساله إلى بقية المجتمعات.
ولذلك تستطيع أن تَعقِد مقارنة بين البلاد التي فُتحت بالسيف والقتال؛ والبلاد التي فُتِحتَ بالسِّلْم ورؤية القدوة المسلَمة الصالحة؛ ستجد أن الذين نشروا الإسلام في كثير من أصقاع الأرض قد اعتمدوا على القدوة الصالحة.
ستجد أنهم نُقلوا الدين بالخِصَال الحميدة، وبتطبيق منهج الدين في تعاملهم مع غيرهم، ولذلك أقبل الناس على دين الله.
وهكذا نجد أن منهج الإسلام قد حمل معجزة من المعاني، بجانب كونه معجزةً في اللغة التي نزل بها، وهي لغة العرب.
ونحن نجد أقواماً لا تستطيع أن تقرأ حرفاً عربياً إلا في المصحف، ذلك أنهم تعلَّموا القراءة في المصحف، واعتمدوا على فَهْم المعاني الموجودة فيه عَبْر الترجمات التي قام بها مُسلِمون أحبُّوا القرآن، ونقلُوه إلى اللغات الأخرى.
ولذلك نجد قول الحق سبحانه: {وَلَقَدْ يَسَّرْنَا القرآن لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ} [القمر: 17].
وهكذا نعلم أن الحق سبحانه قد يسَّر أُمَّ القرآن بلسان العرب أولاً، ثم يسرَّه بأن جعل من تلك الأمة التي نزل عليها القرآن أمة نَشرْ البلاغ عنه سبحانه، ذلك أن الرسالات تُريد تبليغاً؛ والتبليغ وسيلتُه الأولى هي الكلام؛ ووسيلته الثانية الاستقبالية هي الأذن، فلابد من الكلام أولاً، ثم لابد من أُذن تعرف مدلولاتِ الألفاظ لتسمعَ هذا الكلام، ولِتُطبّقه سلوكاً.
كما أننا نعلم أن مَنْ يسمع المتكلم لابد وأن يكون واعياً وعارفاً بمعاني الألفاظ؛ فما تسمعه الأُذن يحكيه اللسان.
وعرفْنَا أن اللغة بِنْت السماع، وكُلُّ فرد إنما يتكلم باللغة التي سمعها في بيئته؛ وإذا تتبعتَ سلسلة تعلُّم كل الكلام ستجد نفسك أمام الجِذْر الأصلي الذي تعلَّم منه البشر الكلام؛ وهو آدم عليه السلام.
وقد قال سبحانه: {وَعَلَّمَ ءَادَمَ الأسمآء كُلَّهَا...} [البقرة: 31].
ونعلم أن اللغة بدأت توقيفية حين علَّمها الله لآدم، ثم تكلَّمها آدم فسمعتْها بيئته؛ فصارتْ وضعية من بعد ذلك، واختلفت اللغة من مجتمع إلى آخر.
وهنا قال الحق سبحانه: {وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ...} [إبراهيم: 4].
وجاء بعد ذلك مباشرة بالتعليل: {لِيُبَيِّنَ لَهُمْ...} [إبراهيم: 4].
وهكذا أوضح جَلَّ وعلاَ السبب في إرسال كل رسول بلسان قومه، وهناك آية يقول فيها سبحانه: {وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ على بَعْضِ الأعجمين فَقَرَأَهُ عَلَيْهِم مَّا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ} [الشعراء: 198-199].
وقال أيضاً: {وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآناً أعْجَمِيّاً لَّقَالُواْ لَوْلاَ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ ءَاعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُواْ هُدًى وَشِفَآءٌ والذين لاَ يُؤْمِنُونَ في آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى...} [فصلت: 44].
فهناك مَنْ يستقبل القرآن كدليل هداية ويُنقِّي نفسه من الكَدَر، وهناك مَنْ يستقبل القرآن فيكون عليه عمى وعلى سمعه غِشَاوة وخوف وعدم ارتياح، ذلك أنه كافر.
والسبب- كما نعلم- أن حدوث الحادث مِن آمرِ به يحتاج إلى فاعل وإلى قابل للفعل.
وسبق أن ضربتُ مثلاً بمَنْ يشرب الشاي؛ فينفخ فيه ليُبرده قليلاً؛ ونفس هذا الإنسان حين يخرج في صباح شتوى فهو ينفخ في يديه لِيُدفئهما، وهكذا ينفخ مرة ليبرد شيئاً؛ وينفخ أخرى مُستدعياً الدفء.
والمسألة ليستْ في أمر النفخ؛ ولكن في استقبال الشاي للهواء الخارج من فَمِك، الشاي أكثر حرارة من حرارة الجسم فيبرد بالنفخ، بينما اليد في الشتاء تكون أكثر برودة من الجسم؛ فتستقبل النفخ لها برفع درجة حرارتها لتتساوى مع حرارة الجسم.
وهكذا تجد أن القرآن واحدٌ؛ لكن المؤمن يسمعه فيفرح به، والكافر يسمعه فيتعب ويرهق منه.
وسبحانه يقول: {وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حتى إِذَا خَرَجُواْ مِنْ عِندِكَ قَالُواْ لِلَّذِينَ أُوتُواْ العلم مَاذَا قَالَ آنِفاً...} [محمد: 16].
وهكذا نجد مَنْ يستقبل القرآن، ولا ينصاع إلى معانيه؛ ونجد مَن يستمع إلى القرآن فيخشع قلبه وينفعل بالاستجابة لِمَا يوُصي به الحق سبحانه.
إذن: عرفنا الآن أن اللغة بدأتْ توقيفية وانتهتْ اصطلاحية؛ فقد أخذنا من الله ما علَّمه لآدم من أسماء؛ وتغيَّرت الألسن من جماعة إلى أخرى، وهكذا اختلفتْ ألسنة الرُّسُل حَسْب القوم المرسلين إليهم.
وكل رسول يُبيِّن للقوم منهجَ الله؛ فإذا بيَّن هذا المنهج، استقبله البعض بالإيمان بما جاء به والهداية، واستقبله البعضُ الآخر بالكُفْر والضَّلال.
فالذي هداه الله استشرف قلبُه إلى هذا المنهج؛ وأخرج من قلبه أيّ عقيدة أخرى، وبحثَ فيما جاء به الرسول، وملأ قلبه بالمنهج الذي ارتاح له فهماً وطمأنينة.
وهو عكس مَنْ تسكن قلبه قضية مخالفة، ويُصرُّ عليها، لا عن قناعة، ولكن عن عدم قدرة على التمحيص والدراسةَ والاستشراف. وكان عليه أنْ يُخرِج القضية المُضِلة من قلبه، وأن يبحث ويقارن ويستشف ويُحسِن التدبر؛ ثم يُدخل إلى قلبه القضية الأكثر قبولاً، ولكنه لا يفعل، عكس مَنْ هداه الله.
ولا يقولن أحد (ما دام قد أضلنا الله فلم يعذبنا؟) ولكن ليعلم كل إنسان أن المشيئة لقابلية الإيمان موجودة، ولكنه لم يَسْتدعها إلى قلبه.
والحق سبحانه يقول: {والذين اهتدوا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقُوَاهُمْ...} [محمد: 17].
ويقول: {وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الفاسقين} [البقرة: 26].
أي: أن الفسق قد صدر منهم، لأنهم ملأوا أفئدتهم بقضايا باطلة؛ فجاءت قضايا الحق فلم تجد مدخلاً.
وهنا في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها يقول سبحانه: {فَيُضِلُّ الله مَن يَشَآءُ وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ وَهُوَ العزيز الحكيم} [إبراهيم: 4].
فمَنْ يُقبِل على الضلال يزيده الله ضلالاً؛ فلن يزيد إيمانُه مُْلْكَ الله شيئاً، ومَنْ يؤمن فهو يضمن لنفسه سلامة الحياة وما بعد الموت؛ وهو في الحياة عنصر خَيْرٍ؛ وهو من بعد الموت يجد الحياة مع نِعَم المُنعِم سبحانه العزيز الذي لا يُغَلب؛ والحكيم الذي قَدَّر لكلِّ أمر ما يشاء.
ويقول سبحانه من بعد ذلك: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا موسى بِآيَاتِنَآ...}.


{وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ(5)}
والآيات التي أرسلها الله مع- موسى عليه السلام- والمعجزات التي حدثت معه وبيَّنها وأظهرها لقومه كثيرة، ورسولنا صلى الله عليه وسلم نزل ومعه معجزة واحدة وهي القرآن، أما بقية المعجزات الحسية التي حدثتْ مع رسول الله؛ فهي قد جاءت لتثبيت فؤاد المؤمنين برسالته، ولم يَبْقَ لها أثر من بعد ذلك إلا الذكرى النافعة التي يأتنس بها الصالحون من عباد الله.
وكثرة المعجزات التي جاءت مع موسى- عليه السلام- تبين أن القوم الذين أُرسل لهم قوم لَجج وجدل، وحين عَدَّد العلماء المعجزات التي جاءت مع موسى وجدها بعضٌ من العلماء تسع آيات؛ ووجدها غيرهم ثلاث عشرة معجزة؛ ووجدها بعضٌ ثالث أربع عشرة.
وفي التحقيق لمعرفة تلك الآيات علينا أن نُفرِّق بين الآيات التي صدرت بالنسبة لفرعون؛ والآيات التي جاءتْ لبني إسرائيل. فالعصا التي انقلبت حيَّة تسعى، واليد التي تُضيء هي لفرعون، وعدَّد القرآن الآيات التي جاءت مع موسى لفرعون بتسع آيات، يقول الحق سبحانه: {فِي تِسْعِ آيَاتٍ إلى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ...} [النمل: 12].
ولم يكن موسى يطلب من فرعون أن يؤمن؛ فهو لم يُرْسَل لهدايته؛ ولكنه جاء ليُفحمه وليأخذ بني إسرائيل المُرْسَلُ إليهم، والآيات هي: العصا وَوَضْع اليد في الجيب لتخرج بيضاء، ونَقْص الأنفس والثمرات؛ والطوفان والجراد والقُمَّل والضفادع والدم، هذه هي الآيات التسع الخاصة بفرعون.
أما بقية الآيات التي جاء بها موسى- عليه السلام- لبني إسرائيل فهي كثيرة مثل: {وَإِذ نَتَقْنَا الجبل فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ...} [الأعراف: 171].
وأيضاً: {وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الغمام...} [البقرة: 57].
وكذلك قوله الحق: {وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمُ المن والسلوى...} [البقرة: 57].
ولذلك أجمل الحق سبحانه الآيات التي جاءت مع موسى لقومه: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا موسى بِآيَاتِنَآ أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظلمات إِلَى النور وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ الله...} [إبراهيم: 5].
أي: أَعِدْ إلى بُؤْرة شعورهم ما كان في الحاشية؛ وأنْ يستدعوا من الذاكرة أيام الله، والمراد ما حدث في تلك الأيام، مثلما نقول نحن (يوم بدر) أو (يوم ذي قار) أو (السادس من أكتوبر) أو (العاشر من رمضان).
وهنا في القول الكريم إما أن يكون التذكير بتلك الأيام الخاصة بالوقائع التي حدثتْ للأقوام السابقين عليهم كقوم نوح وعاد وثمود، ذلك أن الحق سبحانه قد أعلمهم بقصص الأقوام السابقة عليهم؛ وما حدث من كل قوم تجاه الرسول المُرْسل إليه من الله.
أو أن يكون التذكير بالأيام التي أنعم الله فيها على بني إسرائيل بنعمه، أو ابتلاهم فيها بما يُؤلِمهم؛ ذلك أن الحق سبحانه قال: {وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ الله إِنَّ فِي ذلك لآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ} [إبراهيم: 5].
والصبَّار هو مَنْ يُكثِر الصبر على الأحداث؛ وهي كلمة تُوحيِ بأن هناك أحداثاً مؤلمة وقَعتْ، وتحتاج إلى الصبر عليها، كما تُوحِي كلمة (شكور) بحوادث منعمة تستحق الشكر.
وهكذا نجد أن المؤمن يحتاج إلى أمرين؛ صَبْر على ما يُؤلِم، وشُكْر على ما يُرضي، وحين تجتمع هاتان الصفتان في مؤمن؛ يكون مُكتمِلَ الإيمان.
وقد قال الحق سبحانه: إن تلك الآيات هي أدلة تُوضِّح الطريق أمام المؤمن، وتُعطي له العِبْرة، لأنه حين يعلم تاريخ الأقوام السابقة؛ ويجد أنَ مَنْ آمنَ منهم قد عانى من بعض الأحداث المؤلمة؛ لكنه نال رضا الله ونعمه؛ ومَنْ كفر منهم قد تمتع قليلاً، ثم تلَّقى نقمة الله وغضبه.
هذا يُقبِل المؤمن على تحمُّل مَشَاقٍّ الإيمان؛ لأنه يثق في أن الحق سبحانه لا يُضِيع أجْر مؤمنٍ؛ ولابد لموكب الإيمان أنْ ينتصر؛ ولذلك فالمؤمن يصبر على المحن، ويشكر على النِّعَم.
ويقول الحق سبحانه من بعد ذلك: {وَإِذْ قَالَ موسى لِقَوْمِهِ اذكروا...}.


{وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنْجَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ(6)}
وهكذا نجد الحق سبحانه وقد جاء بنموذج من أيام معاناتهم من جبروت فرعون، وكيف خلَّصهم سبحانه من هذا الجبروت، وكان فرعون يُسلَّط عليهم أقسى ألوان العذاب، ف (سام) الشيء أي: طلبه؛ و(سام سوء العذاب) أي: طلب العذاب السيء.
قد ذَبَّح فرعون أبناءهم الذكور، ولم يُذبِّح الإناث لتصبح النساء بلا عائل ويستبيحهُنَّ، وفي هذا نِكَاية شديدة.
ووقف بعض المستشرقين عند هذه الآية، وقالوا: لقد تعرض القرآن من قبل لهذه الآية في سورة البقرة؛ حين قال: {وَإِذْ نَجَّيْنَاكُم مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سواء العذاب يُذَبِّحُونَ أَبْنَآءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَآءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بلاء مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ} [البقرة: 49].
فهل هذه الآية في سورة إبراهيم هي البليغة، أم الآية التي في سورة البقرة؛ خصوصاً وأن الفرق بينهما هو مجيء (الواو) كحرف عطف على ذبح الأبناء باستباحة النساء؟
وأضاف هذا المستشرق: ولسوف أتنازل عن النظر إلى ما جاء في سورة الأعراف حين قال القرآن: {وَإِذْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِّنْ آلِ فِرْعَونَ يَسُومُونَكُمْ سواء العذاب يُقَتِّلُونَ أَبْنَآءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَآءَكُمْ وَفِي ذلكم بلاء مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ} [الأعراف: 141].
وبطبيعة الحال، فهذا المستشرق لم يأخذ فَهْم القرآن عن مَلَكةٍ عربية، ذلك أنه لو كان قد امتلك هذه القدرة على الفَهْم؛ لَعرفَ أن الكلام لم يصدر في الآيات عن مصدر واحد، بل صدر عن مصدرين.
ففي آية سورة البقرة كان المصدر المتكلم هو الله سبحانه ولذلك قال: {نَجَّيْنَاكُم...} [البقرة: 49].
ولكن المصدر المتكلم في سورة إبراهيم هو موسى عليه السلام؛ لم يَقًُلْ أنه هو الذي أنجاهم بل يُعدِّد النعم التي مَنَّ الله بها عليهم؛ ويمتنّ بها عليهم. وعِلَّة ذلك أن العظيم حين يمتنُّ على غيره لا يمتنُّ إلا بالعظائم، أما دون العظيم فقد يمتنُّ بما دون ذلك.
وأسوق هذا المَثل لمزيد من الإيضاح لا للتشبيه؛ فسبحانه مُنزَّه عن التشبيه، وأقول: هَبْ أن إنساناً غنياً له أخ رقيق الحال، وقد يُمد الغنيُّ أخاه الفقير بأشياء كثيرة، وقد يعتني بأولاده؛ ويقوم برعايته ورعاية أولاده رعاية كاملة. ويأتي ابن الفقير ليقول لابن الغني: لماذا لا تسألون عنا؟ فيقول ابن الغني: ألم يَأْتِ أبي لك بهذا القلم وتلك البذلة، بالإضافة إلى الشقة التي تسكنون فيها؟
ولكن العَمَّ الغنيّ يكتفي بأنْ يقول: أنا أسأل عنكم، بدليل أنِّي أحضرت لكم الشقة التي تسكنون فيها. إذن: فالكبير حقاً هو الذي يذكر الأمور الكبيرة، أما الأقل فهو من يُعدِّد الأشياء.
وهنا يصف الحق سبحانه سوْم العذاب وذَبْح الأبناء بالبلاء العظيم في قوله تعالى: {ذلكم بلاء مِّن رَّبَّكُمْ عَظِيمٌ} [إبراهيم: 6].
وهكذا نرى مظهرية الخير التي مَنَّ الله بها عليهم، وهي الإنجاء من ذبح الأبناء واستباحة النساء؛ وكان ذلك نوعاً من مظهرية الشر. وهذا ابتلاء صعب.
وسبق أنْ أوضحنا أنَّ البلاء يكون بالخير أو بالشر، فقد قال سبحانه: {وَنَبْلُوكُم بالشر والخير فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ} [الأنبياء: 35].
فلا الخير دليلُ تكريم، ولا الشرَّ دليلُ إهانة؛ فهو القائل: {فَأَمَّا الإنسان إِذَا مَا ابتلاه رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ ربي أَكْرَمَنِ وَأَمَّآ إِذَا مَا ابتلاه فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ ربي أَهَانَنِ} [الفجر: 15-16].
فالابتلاء في الأصل هو الامتحان؛ إما أنْ تنجحَ فيه أو ترسبَ؛ ولذلك فهو غَيْر مذموم إلا بالنتيجة التي يَؤُول إليها.
ويقول سبحانه من بعد ذلك: {وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ...}.

حنين الاشواق
01-14-2012, 03:06 PM
{وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ(7)}
ونلحظ أن الآية تبدأ بكلمة (تأذَّن) وكل المادة الألف والذال والنون مأخوذة من الأذن. والأذن آلة السماع، والأذان إعلام، وآذنهم أي أعلمهم.
وتأذن أي: اعلم بتوكيد. وهكذا يكون معنى الآية: أني أعلِمكم بتوكيد من ربكم أنكم إنْ شكرتم ليزيدنكم من نعمه وعطائه؛ لأن الشكر دليلُ ارتباط بالواهب؛ وأنكم سلختم أنفسكم من الاعتزاز بما أوتيتم، وعلمتم أنه هو وحده الوهاب.
والحق سبحانه هو مَنْ قال: {كَلاَّ إِنَّ الإنسان ليطغى أَن رَّآهُ استغنى} [العلق: 67].
ولو كان الإنسان مربوطاً بالحق سبحانه؛ لما فصل الحقَّ عن نعمه؛ ولظل ذاكراً للحق الذي وهبه النِّعمَ.
ولذلك أقول دائماً: إياك أن تشغلك النعمة عن المُنِعم؛ لأن النعمة موهوبة لك؛ وليستْ ذاتية فيك.
وتأتي المقابلة من بعد ذلك مباشرة؛ فيقول: {وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ} [إبراهيم: 7].
وهنا يثور سؤال: هل الذي لا يشكر نعم الله يكون كافراً؟
وهنا علينا أن نعلم أن هناك فارقاً بين الكفر والكفران، ولكن لفظ الكفر جاء هنا ليغلظ من معنى عدم الشكر، ولم يأت بكلمة كُفْران وجاء بقوله: {وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ} [إبراهيم: 7].
والمثل في ذلك قول الحق سبحانه: {وَللَّهِ عَلَى الناس حِجُّ البيت مَنِ استطاع إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ العالمين} [آل عمران: 97].
ومَنْ لم يحج فهو عَاصٍ؛ وكأن الله يريد أن يُصعِّب عدم القيام بالحج. أو: أن الآية تريد حُكْمين: الحكم الأول: الإيمان بفرضية الحج؛ والثاني: القيام بالحج فعلاً.
ذلك أن الحق سبحانه قد قال: {وَللَّهِ عَلَى الناس حِجُّ البيت مَنِ استطاع إِلَيْهِ سَبِيلاً...} [آل عمران: 97].
فَمنْ يؤمن بأن هذا حُكْم صحيح واجب يؤمن به ولكنه لا يُنفِّذه؛ قد يدخل في المعصية؛ لأنه يستطيع أن يحُجَّ ولم يفعل. أما مَنْ يكفر بالحج نفسه وينكر القضية كلها؛ فهو كافر والعياذ بالله.
وهنا يقول الحق سبحانه: {وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ} [إبراهيم: 7].
وهكذا جاء الكفر مقابل الشكر، ولابد من عذاب للكفر؛ وعذابُ الله لابد أن يكون شديداً؛ لأن العذاب يتناسب بقدرة المعذب، ولا أقدرَ من الله، ونعوذ به سبحانه من عذابه، فهو أمر لا يُطاَق ويقول الحق سبحانه من بعد ذلك: {وَقَالَ موسى إِن تكفروا أَنتُمْ...}.


{وَقَالَ مُوسَى إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ(8)}
وقد قال موسى ذلك كي لا يظنّ ظَانٌّ من قومه أن الله في حاجة إلى شكرهم؛ وأنه سيعاقبهم بالعذاب إنْ كفروا بشكره؛ فأراد أنْ ينسخَ هذا الظنَّ من أذهان مَنْ يسمعونه.
وأوضح لهم أن الحق سبحانه لن يزيده إيمانكم شيئاً؛ ولن يضيف هذا الإيمانُ منهم ومعهم أهل الأرض كلهم لِمُلْكه شيئاً؛ لأن مُلْك الله إنما أبرزه سبحانه بصفات الكمال فيه، وهو ناشيء عن كمال موجود.
ولذلك يأتي قوله الحق: {أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الذين مِن قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ...}.


{أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ وَقَالُوا إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ(9)}
وهذه الآية الكريمة أعطتْنا تفسيراً لقوله سبحانه: {وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلاَّ خَلاَ فِيهَا نَذِيرٌ} [فاطر: 24].
وكذلك قوله سبحانه: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِّن قَبْلِكَ مِنْهُم مَّن قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَّن لَّمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ...} [غافر: 78].
ونعلم أن الحق سبحانه قد أوحى لموسى- عليه السلام- أن يُبلغ قومه بقصص بعض من الأنبياء السابقين عليه. وهذا واضح في قوله الحق: {أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الذين مِن قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ...} [إبراهيم: 9].
ويقول سبحانه عن القوم الذين جاءوا من بعد ذلك: {والذين مِن بَعْدِهِمْ لاَ يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ الله جَآءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بالبينات...} [إبراهيم: 9].
أي: أن الرسل قد حملوا منهج الله، وكذلك المعجزات الدالة على صدقهم لِمَنْ جاءوا من بعد ذلك. والبينات إما أن تكون المعجزات الدالة على صدقهم؛ أو: هي الآيات المُشْتملة على الأحكام الواضحة التي تُنظِّم حركة حياتهم لِتُسْعدهم.
ولكن هل قَبِلَتْ تلك الأقوامُ تلك البيناتِ؟
لا، لأن الحق سبحانه يقول عنهم: {فردوا أَيْدِيَهُمْ في أَفْوَاهِهِمْ وقالوا إِنَّا كَفَرْنَا بِمَآ أُرْسِلْتُمْ بِهِ...} [إبراهيم: 9].
وهكذا نرى أن الكافرين هم مَنْ وضعوا أيديهم على أفواههم، وإما أنهم عَضُّوا على الأيدي بالنواجذ لأنهم لم يُطِيقوا تطبيق منهج الله؛ ولم يستطيعوا التحكُّم في أنفسهم.
أو: أنهم رَدُّوا أيديهم إلى أفواههم بمعنى أن قالوا للرسل: (هس)، أصمتوا ولا تتكلموا بما جِئْتم به من بلاغ. أو: أن بعضهم قال للرسل (لا فائدة من كلامكم في هؤلاء).
والثراء في القرآن يتحمّل كل هذه المعاني؛ والآية تتسِق فيها كل تلك المعاني؛ فالعبارة الواحدة في القرآن تكون شاملة لخيرات تناسب كمالات الله، وستظل كمالات القرآن موجودة يظهر بعضها لنا؛ وقد لا ندرك البعض الآخر إلى أن يُعلِمنا بها الله يوم القيامة.
ويأتي قولهم: {إِنَّا كَفَرْنَا بِمَآ أُرْسِلْتُمْ بِهِ...} [إبراهيم: 9].
ليكشف لنا غباءهم، فَهُمْ يعترفون بأن هؤلاء رسل من السماء، وفي نفس الوقت يُنكِرون المنهج، ويُعلنون هذا الإنكار، يكشف لنا ذلك قوله تعالى: {وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَنَآ إِلَيْهِ مُرِيبٍ} [إبراهيم: 9].
أي: أنهم أعلنوا رأيهم في المنهج، وقالوا: إنهم مُحيَّرون ويشكُّون في هذا المنهج.
ويأتي القرآن بردِّ الرسل في قول الحق سبحانه: {قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي الله شَكٌّ فَاطِرِ...}.

حنين الاشواق
01-14-2012, 03:06 PM
{قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى قَالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ(10)}
وقوله: {أَفِي الله شَكٌّ...} [إبراهيم: 10] هو لوْن من الخطاب الذي لا يترك لمَنْ توجه إليه الكلام أنْ يُجيب إلا كما تريد أنت. وأنت لا تفعل ذلك إلا إذا كُنْتَ واثقاً من أن مَنْ تُوجَّه إليه الكلام سيجيب- إنِ استحضرَ الحق في ذهنه- كما تريد أنت.
ولذلك لم يَأْتِ الخطاب هنا بقوله (لا شك في الله) وبذلك يكون الكلام خبرياً، وقد يقول واحد: إن هذا الكلام كاذب، ولكن على الرغم من أن المستمعين من الكفار، إلا أنه يأتي بالقضية في شكل تساؤل يستأمنهم على أنهم سوف يُديرون الكلام في رؤوسهم، وسيعثرون على الإجابة التي لا يمكن أنْ ينكرونها؛ وهي «ليس في الله شك».
وهكذا نجد أن القائل قد سكتَ عن إعلانهم الكفرَ أولاً؛ وجاء لهم بالتساؤل الذي سيجيبون عليه (ليس في الله شك)، ويأتي لهم بالدليل الذي لا يحتمل أيَّ شكٍّ، وهو قوله الحق: {فَاطِرِ السماوات والأرض...} [إبراهيم: 10].
والفاطر هو الذي خلق خَلْقاً على غير مثال سابق، مثلها مثل قوله الحق: {بَدِيعُ السماوات والأرض...} [البقرة: 117].
فلا أحدَ قادرٌ على أن يخلقَ مثل السماوات والأرض؛ وهي مخلوقة على غير مثال سابق. وسبحانه هو مَنْ شاء أن يكون الإنسان سيداً لكل الكائنات المخلوقة، وأن تكون تلك الكائنات مُسخّرة لخدمته.
وقد يتخيل الإنسان أن خَلْقه أكبر من خَلْق السماوات والأرض؛ لذلك يُنبِّهه الحق سبحانه: {لَخَلْقُ السماوات والأرض أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ الناس...} [غافر: 57].
ولو نظرت إلى الشمس وسألتَ نفسك؛ كم من الأجيال قد استمتعوا بدفْئها واستفادوا منها؛ فمن المؤكَّد أنك لن تعرف عدد الأجيال؛ لأن الشمس مخلوقة من قَبْل خَلْق البشر، وكل إنسان يستمتع بالشمس ويستفيد منها عدد سنوات حياته، ثم يذهب إلى الموت.
ونجد المفسر الجليل الفخر الرازي يضرب المَثل الذي لا يمكن أن يُنكِره أحد، ويدلُّ على الفطرة في الإيمان، ويُوضِّح أن الحق سبحانه لم يُمهل الإنسان إلى أنْ ينضجَ عقله ليشعر بضرورة الإيمان، ويضرب المثل بطفل صغير تسلَّل، وضرب شقيقه؛ هنا لابد أن يلتفتَ الشقيق ليكتشف مَنِ الذي ضربه؛ لأن الإنسان من البداية يعلم أنْ لا شيءَ يحدث إلا وله فاعل.
وهَبْ أن طفلاً جاء ليجد شقيقه جالساً على كرسي، وهو يريد أن يجلس على نفس الكرسي؛ هنا سيقوم الطفل بشدِّ وجَذْب أخيه من على الكرسي ليجلس هو، وكأنه اكتشف بالفطرة أن اثنين لا يمكن أن يستوعبهما حَيِّز واحد.
وهكذا يتوصل الإنسان بالفطرة إلى معرفة أن هناك خالقاً أوحد. وهكذا نجد قوله الحق: {فَاطِرِ السماوات والأرض...} [إبراهيم: 10].
هو الآية الكونية الواسعة.
ويأتي من بعد ذلك بالقول: {يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِّن ذُنُوبِكُمْ...} [إبراهيم: 10].
وهذا القول يدل على الرحمة والحكمة والقدرة والحنان؛ وهو هنا يقول: {لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِّن ذُنُوبِكُمْ} [إبراهيم: 10].
ولم يَقُلْ: يغفر لكم ذنوبكم؛ ذلك أنه يخاطب الكفار؛ بينما يقول سبحانه حين يخاطب المؤمنين: {ياأيها الذين آمَنُواْ هَلْ أَدُلُّكمْ على تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ تُؤْمِنُونَ بالله وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ الله بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ...} [الصف: 10-12].
وهكذا لا يساوي الحقُّ سبحانه في خطابه بين المؤمنين والكافرين.
أو: أن المقصود من قوله: {لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِّن ذُنُوبِكُمْ...} [إبراهيم: 10].
هو غفران الكبائر: ذلك أن صغائر الذنوب إنما يغفرها أداء الفرائض والعبادات؛ فنحن نعلم أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: «الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة كفارة لما بينهن ما لم تُغْشَ الكبائر».
ويتابع سبحانه: {وَيُؤَخِّرَكُمْ إلى أَجَلٍ مُّسَمًّى...} [إبراهيم: 10].
وكلنا نعرف أن الأجل هو الزمن المضروب والمُقرر للحدثِ. وإن شاء الحق سبحانه الإبادة فنجد ما يدل عليه قوله الحق: {فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأرض} [القصص: 81].
كما فعل مع قارون.
أو: أن قوله: {إلى أَجَلٍ مُّسَمًّى...} [إبراهيم: 10] مقصود به يوم القيامة.
ولكن الكفار أهل لَدَد وعناد، لذلك نجد قولهم: {قالوا إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا تُرِيدُونَ أَن تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَآؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ} [إبراهيم: 10].
وهكذا يعلن أهل الكفر لرسلهم أنهم يُفضِّلون أن يكونوا أهل تقليد للآباء، ولو أنهم فكَّروا لَعِلموا أن التقليد لو شاع في المجتمعات لَما ارتقى أحدٌ عن آبائه وأجداده، فالعالم يتطور من تمرُّد جيل على جيل سابق، فلماذا يُصِرّ هؤلاء الكافرون على أن يحتفظوا بتقليد الآباء والأجداد؟
وإذا كان الأبناء يتطورون في كل شيء، فلماذا يحتفظ هؤلاء الكفار بتقليد الآباء في العقائد؟
ولا يكتفي أهل الكُفْر بذلك، بل يطلبون أن يأتيَ لهم الرسل بسلطان مبين، والسلطان يُطلق مرَّة على القهر على الفعل، ويكون الفاعل المقهور كارهاً للفعل.
ومرّة يطلق على الحجة التي تُقنع بالفعل، ويكون الفاعل مُحِباً لما يَقْدُم عليه، والدين لا يمكن أن ينتشر قهراً؛ بل لابد أن يُقبل الإنسان على الدين بقلبه، وذلك لا يأتي قهراً.
لذلك نجد القول الحق: {لاَ إِكْرَاهَ فِي الدين قَد تَّبَيَّنَ الرشد مِنَ الغي...} [البقرة: 256].
وما دام الرُّشدْ قد ظهر فالإكراه لا مجالَ له؛ لأن الذي يُكْره على شيء لا يمكن له أن يعتنق ما يُكره عليه.
وإذا ما دخل الإنسان الدين فعليه أن يلتزَم بما يُكلِّف به الدين؛ ولذلك فالإنسان لا يمكن أن يدخل إلى الدين مُكْرهاً، بل، لابد أن يدخله على بصيرة.
ويأتي الحق سبحانه بعد ذلك بما قاله الرسل رداً على قَوْل أهل الكفر: {قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِن نَّحْنُ إِلاَّ بَشَرٌ...}.


{قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَمَا كَانَ لَنَا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطَانٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ(11)}
وهكذا أوضح الرسل لأقوامهم: نحن بشر مثلكم، والسلطان الذي نملكه هو المعجزة التي اختص بها الحق سبحانه كُلَّ رسول، والحق سبحانه هو الذي يتفضَّل على عباده؛ فيختار منهم الرسول المناسب لكل قوم؛ ويرسل معه المعجزة الدالة على تلك الرسالة؛ ويقوم الرسول بتبليغ كل ما يأمر به الله.
وكل رسول إنما يفعل ذلك ويُقبِل عليه بكل الثقة في أن الحق سبحانه لن يخذله وسينصره؛ فسبحانه هو القائل: {وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الغالبون} [الصافات: 173].
ويخبرنا سبحانه بطمأنة الرسول ومَنْ معه لحظةَ أن تزلزلهم جِسَام الأحداث؛ وتبلغ قلوبهم الحناجر، ويتساءلون: {متى نَصْرُ الله...} [البقرة: 214].
فتأتي أخبار نَصرْ الحق سبحانه لرسله السابقين لطمأنه المؤمنين، ونجد الحق سبحانه هنا يقول: {وَعلَى الله فَلْيَتَوَكَّلِ المؤمنون} [إبراهيم: 11].
هكذا أعلن كل رسول لِمَنْ آمن به من قومه، فعلَى الله وحده يتوكَّل المؤمنون، ويُفوَّضون كل أمورهم إليه وحده؛ صَبْراً على معاندة الكافرين، وثِقةً في أنه سبحانه ينصر مَنْ أبلغوا رسالته ومنهجه، وينصر معهم مَنْ آمنوا بالمنهج والرسالة.
وينقل لنا الحق سبحانه بقية ما قاله الرسل لأقوامهم: {وَمَا لَنَآ أَلاَّ نَتَوَكَّلَ عَلَى الله...}.


{وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ(12)}
ونلحظ أن الحق سبحانه قد وصف المُتوكِّلين في نهاية الآية السابقة بأنهم المؤمنون؛ وهنا يَصفُهم في نهاية هذه الآية بأنهم المتوكِّلون؛ لأن صفة الإيمان تدخل في صفة التوكل ضِمنْاً.
ونعلم أن هناك فارقاً بين التوكل والتواكل؛ فالتوكل يعني أن تستنفد أسباب الله المَمْدودة؛ لأن التوكل عمل القلوب؛ بعد أن تُؤدِّي الجوارحُ ما عليها من عمل وأخْذ بالأسباب؛ فالجوارح تعمل والقلوب هي التي تتوكل.
ويأتي لنا الحق سبحانه ببقية الحوار بين الذين كفروا من أهل الأقوام السابقة وبين رسلهم، فيقول: {وَقَالَ الذين كَفَرُواْ لِرُسُلِهِمْ...}.

حنين الاشواق
01-14-2012, 03:07 PM
{وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ(13)}
وهكذا نرى أن فاشية الخير حين فَشَتْ في الناس؛ يغضب منها المستفيدون من الفساد والذين يعيشون عليه؛ ويتجه تفكير المفسدين إلى ضرورة إخراج خمائر الخير من الأرض التي يعيش المفسدون على الاستفادة من أهلها.
وإنْ عَزَّتْ الأرض على خمائر الخير، فعليهم أن يعلنوا عودتهم إلى ديانة الكافرين. ولا يقال: عُدْت إلى الشيء إلا إذا كنتُ في الشيء ثم خرجتُ عنه وعُدْتُ إليه.
هل كان الرسل الذين يُهدِّدهم أهل الكفر بالإخراج من البلاد؛ يقبلون العودة إلى ديانة الكفر؟
طبعاً لا؛ ولذلك نفهم من قوله تعالى: {أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا...} [إبراهيم: 13].
بمعنى (أو لتصيرن في ملتنا).
ولم يقبل الرسل تلك المُساوَمة؛ ذلك أن الحق سبحانه وتعالى يُنزِل جنود التثبيت والطمأنينة والسكينة على قلوب رُسُله والمؤمنين؛فلا يتأثر الرسل ومَنْ معهم بمثل هذا الكلام.
وهذا ما يُعبِّر عنه قَوْل الحق سبحانه في آخر الآية: {فأوحى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظالمين} [إبراهيم: 13].
وهكذا يأتي القانون السماوي بالعدل وهو إهلاك الظالمين، وتلك قضية إيمانية باقية ودائمة أبداً.
ويكمل الحق سبحانه وعده لرسله ومَنْ معهم من المؤمنين: {وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الأرض مِن....}.


{وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ(14)}
وهنا يؤكد الحق سبحانه أن مَنْ يثبت على الإيمان، ويخاف مَقَام الحق سبحانه، ويخشى يوم العَرْض على الحق ويوم الحساب؛ ولم ينكص عن منهج دعوة الحق؛ سيُورثه الحق سبحانه أرض مَنْ كفر بالله؛ فتلك سنة الله؛ لأنه سبحانه قال: {وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضاً لَّمْ تَطَئُوهَا..} [الأحزاب: 27].
ونعلم أن مَنْ يخاف الله ويخشاه ويؤمن أنه قائم على كُلِّ نفس؛ فسبحانه يجزي مَنْ يعيش حياته في ضَوْء الإيمان بأن يُورِثه أرضَ مَنْ كفر، وقد قال الحق سبحانه لرسوله: {وَأَوْرَثْنَا القوم الذين كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الأرض وَمَغَارِبَهَا التي بَارَكْنَا فِيهَا..} [الأعراف: 137].
ويقول الحق سبحانه من بعد ذلك: {واستفتحوا...}.


{وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ(15)}
و(استفتح) تعني طلب الفتح، وهناك فتح، واستفتح. وكلمة (فتح) تدل على أن شيئاً مُغْلقاً ينفتح، ومرّة يكون المقصود بالكلمة أمراً حسياً؛ وأحياناً يكون الأمر معنوياً، ومرة ثالثة يكون الفتح بمعنى الفصْل والحُكْم.
والمثل على الأمر الحِسيّ قول الحق سبحانه: {وَلَمَّا فَتَحُواْ مَتَاعَهُمْ وَجَدُواْ بِضَاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ...} [يوسف: 65].
ومرَّة يكون الفَتْح معنوياً؛ وبمعنى سابقة الخير والعلم، كقول الحق سبحانه: {وَإِذَا خَلاَ بَعْضُهُمْ إلى بَعْضٍ قالوا أَتُحَدِّثُونَهُم بِمَا فَتَحَ الله عَلَيْكُمْ...} [البقرة: 76].
وكذلك قول الحق سبحانه: {مَّا يَفْتَحِ الله لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلاَ مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلاَ مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ...} [فاطر: 2].
أما المَثل على الفَتْح بمعنى الفَصْل في الأمر، فالمثل هو قول الحق سبحانه: {رَبَّنَا افتح بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بالحق وَأَنتَ خَيْرُ الفاتحين} [الأعراف: 89].
وهكذا نجد للفتْح معاني متعددة، وكلها تدور حول المغاليق هي تٌفَضّ، ويُطلَق الفتح آخر الأمر على النصر، والمثل هو قول الحق سبحانه: {إِذَا جَآءَ نَصْرُ الله والفتح} [النصر: 1].
وهنا يقول الحق سبحانه: {واستفتحوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ} [إبراهيم: 15].
وهم طلبوا الفتح بمعنى طلبوا النصر، وكانت تلك خيبةً من الكفار؛ فَهُمْ طلبوا الفتح أي النصر؛ وهم قد فعلوا ذلك مظنّة أن عندهم ما ينصرهم.
وكيف ينصرهم الله وهم كافرون؟
لذلك يُخيِّب الله ظنهم ويحكم عليهم بمصير كل مَنْ عاش جباراً في الأرض، متكبراً عن عبادة ربه.
ويقول سبحانه: {وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ} [إبراهيم: 15].
والجبار هو مَنْ يقهر الناس على ما يريده؛ والمقصود هنا هم المُتكبِّرون عن عبادة الحق سبحانه وتعالى، ويعاندون في مسألة الإيمان به سبحانه.
وماذا ينتظرهم من بعد ذلك؟
يقول الحق سبحانه: {مِّن وَرَآئِهِ جَهَنَّمُ...}.

حنين الاشواق
01-14-2012, 03:07 PM
{مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ(16)}
أي: من خلف الجبار المُتعنِّت بالكفر جهنمُ، وما فيها من عذاب. وفي العامية نسمع مَنْ يتوعد آخر ويقول له (وراك... وراك) ويعني بذلك أنه سيُوقع به أذىً لم يَأتِ أوانه بَعْد.
وكلمة (وراء) في اللغة لها استخدامات متعددة؛ فمرَّة تأتي بمعنى (بَعْد) والمثل في قوله تعالى عن امرأة إبراهيم عليه السلام: {وامرأته قَآئِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِن وَرَآءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ} [هود: 71].
أي: جاء يعقوب من بعد إسحق.
ومرّة تُطلق (وراء) بمعنى (غير) مثل قول الحق سبحانه: {والذين هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إِلاَّ على أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ فَمَنِ ابتغى وَرَآءَ ذلك فأولئك هُمُ العادون} [المؤمنون: 5-7].
وهنا يقول الحق سبحانه: {مِّن وَرَآئِهِ جَهَنَّمُ...} [إبراهيم: 16].
ونعلم أن جهنم ستأتي مستقبلاً، أي: أنها أمامه، ولكنها تنتظره؛ وتلاحقه.
ويتابع الحق سبحانه: {ويسقى مِن مَّآءٍ صَدِيدٍ} [إبراهيم: 16].
والصديد هو الماء الرقيق الذي يخرج من الجُرْح، وهو القَيْح الذي يسيل من أجساد أهل النار حين تُشْوى جلودهم.
ولنا أن نتصورَ حجم الألم حين يحتاج أحدهم أن يشرب؛ فيُقدَّم له الصديد الناتج من حَرْق جلده وجُلُود أمثاله. والصديد أمر يُتأفَّفُ من رؤيته؛ فما باَلُنا وهو يشربه، والعياذ بالله.
ويقول الحق سبحانه متابعاً لِمَا ينتظر الواحد من هؤلاء حين يشرب الصديد: {يَتَجَرَّعُهُ وَلاَ يَكَادُ يُسِيغُهُ...}.


{يَتَجَرَّعُهُ وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ(17)}
ويتجرعه أي: يأخذه جَرْعة جَرْعة، ومن فرط مرارته لا تكون له سيولة تُستسَاغ؛ فيكاد يقف في الحَلْق؛ والإنسان لا يأخذ الشيء جَرْعة جَرْعة إلا إذا كان لا يقدر على استمرار الجرعة؛ ولكن هذا المشروب من الصديد لا يكاد يستسيغه مَنْ يتجرعه. ويقال: استساغ الشيء. أي: ابتلعه بسهولة.
وقوله سبحانه: {وَلاَ يَكَادُ يُسِيغُهُ...} [إبراهيم: 17].
أي: لا يكاد يبلعه بسهولة فطعْمُه وشكله غير مقبولين.
ويتابع سبحانه: {وَيَأْتِيهِ الموت مِن كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ...} [إبراهيم: 17].
أي: ينظر حوله فيجد الموت يحيط به من كل اتجاه، لكنه لا يموت، ويُفاجأ بأن العذاب يحيط به من كل اتجاه مُصدِّقاً لقول الحق سبحانه: {وَمِن وَرَآئِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ} [إبراهيم: 17].
هكذا يتعذب الجبار المتعنت في أمر الإيمان. وإذا قِسْنَا العذاب الغليظ بأهونِ عذاب يلقَاهُ إنسان من النار لوجدنا أنه عَذابٌ فوق الاحتمال؛ فها هو صلى الله عليه وسلم يقول: «إن أهون أهل النار عذاباً يوم القيامة لَرجلٌ يُوضعَ في أخْمَص قدميه جمرتان يغلي منهما دماغه».
فمَا بالُنَا بالعذاب الغليظ، وقانا الله وإياكم شرَّه؟
ويقول سبحانه من بعد ذلك قضية كونية: {مَّثَلُ الذين كَفَرُواْ...}.


{مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لَا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ(18)}
وقد يأتي في أذهان البعض ما يُشوِّه عقائد الإيمان، فيقول: كيف يدخل فلانُ النار وهو مَنْ أهدى البشريةَ تلك المخترعات الهائلة التي غيَّرت مسارات الحضارة، وأسعدتْ الناس؟ كيف يُعذِّب الله هؤلاء الذين بذلوا الجهد ليطوروا من العلوم والفنون، أيعذبهم لمجرد أنهم كفار؟
وأقول: نعم، يعذبهم الله على الرغم من أنه سبحانه لا يضيع عنده أَجْرُ مَنْ أحسنَ عملاً؛ وهو قادر على أنْ يَجزيهم في الدنيا بما ينالونه من مجد وشهرة وثروة؛ وهم قد عملوا من أجل ذلك. وانطبق عليه قوله: (عملتَ لِيُقال وقد قِيل) وأخذوا أجورهم مما عَمِلوا لهم؛ ذلك أنهم عملوا ولم يكُنْ في بالهم الله.
وهكذا يصور القرآن مسألة الجزاء، فالواحد من هؤلاء الكفار إذا كان يَلْقى العذاب الغليظ على الكفر؛ فالحق لا يغمطه أجر ما فعل من خير؛ فينال ذلك في الدنيا ويستمتع بإطلاق اسمه على اختراعه أو اكتشافه.
ونعلم جميعاً قوله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه» أما في الآخرة فالعذاب جزاؤه؛ لأنه عاش كافراً بالله.
وهذه الأعمال التي صنعوها في الدنيا، وظنُّوا أنها أعمالٌ إنسانية وأعمال بِرٍّ تأتي يوم القيامة وهي رماد تهبُّ عليه الريح الشديدة في يوم عاصف لتذره بعيداً: {مَّثَلُ الذين كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشتدت بِهِ الريح فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لاَّ يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُواْ على شَيْءٍ ذلك هُوَ الضلال البعيد} [إبراهيم: 18].
ولن تكون لديهم عندئذ فرصة لاستئناف الحياة ليستفيدوا من التجربة؛ بل أمامهم وحولهم العذاب؛ لسان حال كل منهم يقول: {رَبِّ ارجعون لعلي أَعْمَلُ صَالِحاً...} [المؤمنون: 99- 100].
لكنه لو رُدَّ إلى الحياة لَعَاد إلى ما نُهِي عنه، مِصْداقاً لقول الحق سبحانه: {وَلَئِن رُّدِدتُّ إلى رَبِّي لأَجِدَنَّ خَيْراً مِّنْهَا مُنْقَلَباً} [الكهف: 36].
وهذا الكفر هو الضلال البعيد الذي جعل كل أعمالهم التي ظنُّوا أنها صالحة؛ مجردَ أعمال مُحْبطة؛ فضلُّوا بالكفر عن الطريق المُوصِّل إلى خير الآخرة.
ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ الله...}.

حنين الاشواق
01-14-2012, 03:08 PM
{أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ(19)}
وسبحانه يُعلمنا هنا أنه خلق السماوات والأرض بميزان الحقِّ؛ فلا تأتي السماء وتنطبق على الأرض، فسبحانه القائل: {وَيُمْسِكُ السمآء أَن تَقَعَ عَلَى الأرض إِلاَّ بِإِذْنِهِ...} [الحج: 65].
وأنت كلما سِرْتَ وجدتَ الشمس من فوقك، وهي مرفوعة بنظام هندسيّ دقيق.
وهكذا أراد الحق سبحانه أن يُؤكِّد قضية كونية مُحسَّة مشهودة؛ وبدأ بقوله: {أَلَمْ تَرَ...} [إبراهيم: 19].
رغم أنه لا يوجد مع العَيْن أيْن؛ ذلك أن الشمس واضحة أمام كُلِّ البشر، وهكذا نجد أن معنى {أَلَمْ تَرَ} هنا تكون بمعنى (ألم تعلم).
وجاء سبحانه ب {أَلَمْ تَرَ} هنا ليدلّنا على أن ما يُعلمنا الله به من حَقٍّ أصدق مما تُعلِمنا به العين؛ فإذَا قال سبحانه: {أَلَمْ تَرَ} فاعلم أنه علم موثوق به.
وحين يلفتنا الحق سبحانه هنا إلى رؤية السماوات والأرض؛ فكان لابد لنا أن نعلم أنها لم تَكُنْ لِتُوجَد إلا بخَلْق الله لها؛ وهو الذي أخبرنا أنها من خَلْقه؛ ولم يدّعَها أحدٌ لنفسه؛ وبذلك تثبت له قضية خَلْقها إلى أنْ يقولَ آخر أنه خلقها؛ ولم يَقُلْ لنا أحدٌ ذلك أبداً.
وسبق أن قال سبحانه: {لَخَلْقُ السماوات والأرض أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ الناس...} [غافر: 57].
والبشر كما نعلم لا يعيش فرد منهم مِثْلما تعيش السماء؛ فالفرد يموت ويُولَد غيره؛ وكُلُّ البشر يأتون ويذهبون، والشمس باقية، وكذلك الأرض.
ومن عجيب الخَلْق الرحماني أن الله خلق كُلّ ذلك تسخيراً لأمر الإنسان؛ فلا يشذّ كائن من تلك المُسخرات عن أمر الإنسان. وما طُلِب منك أيُّها الإنسان تكليفاً مُخيَّر فيه إنْ شئتَ آمنت، وإنْ شئْتَ كَفرتَ؛ وإنْ شئتَ أطعتَ، وإن شئتَ عصيتَ.
ولكن المخلوق المُسخَّر لخدمتك ليست له هذه المشيئة. وهو سبحانه الحق القائل: {إِنَّا عَرَضْنَا الأمانة عَلَى السماوات والأرض والجبال فَأبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإنسان إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً} [الأحزاب: 72].
وقد أعلمنا هذا القولُ الكريم بأن الرحمانية سبقتْ لنا نحن البشر من قبل خَلْقنا، وأقدمتنا رحمانية الله على وجود مُهيَّأ لنا.
ومن العجيب أن الكونَ المخلوق لنا استبقاءً لحياتنا واستبقاءً لنوعنا يتركز في أشياء لا دَخْل لنا فيها، ولا تتغير أبداً؛ وهي الأشياء العليا كالشمس والقمر والأرض.
وهناك أشياء أخرى يكون التغيير فيها على نوعين: قسم يتغير ويأتي بدلاً منه شيء جديد، كالنبات الذي يذهب ويصير حصيداً، وكذلك الحيوانات التي نأكلها أو التي تموت.
وهناك خَلْق يتغير مع إبقاء عناصره، وإنْ تغيّرتْ مادته، كالجمادات التي نراها- الجبال والأرض وعناصرها- ونكتشف منها كُلَّ يوم جديداً.
إذن: فالمخلوقات التي استقبلتْ الوجود الإنساني نوعان: نوع لا دَخْل للأغيار فيها؛ ونوع آخر فيه دَخْل للأغيار مع بقاء مادتها وهي الجمادات؛ ونوع تتغير أنواعه وأجناسه.
كُلُّ هذه الأشياء تدلُّنا على أن الحقَّ سبحانه وتعالى له صِفَتان.
صفة القدرة والقهر؛ وهو سبحانه يقهر ما يشاء على ما يشاء؛ ولا يتغير.
وصفة الاختيار التي أوجدها في الإنسان.
وأثبتت صفة القدرة التي سخَّر بها سبحانه الأشياء لخدمة الإنسان مُطْلق سلطانه سبحانه على كُلِّ ما خلق؛ فلا شيءَ يخرج عن مراده أبداً.
وأراد سبحانه بصفة الاختيار التي وهبها للإنسان أنْ يأتيه عبده الإنسان محباً متبعاً لتكاليفه الإيمانية، فالذي يطيع الله وهو قادر على أنْ يعصيه إنما يدلُّ بذلك على أنه مُحِبٌّ لله؛ ويُثبِت له صفة المحبوبية.
وهنا يقول الحق سبحانه: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ الله خَلَقَ السماوات والأرض بالحق...} [إبراهيم: 19].
ولنا أن نلحظ أن كلمة (بالحق) وردتْ في مواقع كثيرة من القرآن الكريم.
وعلى سبيل المثال، نجد في القرآن الكريم قوله تعالى: {وَمَا خَلَقْنَا السماوات والأرض وَمَا بَيْنَهُمَآ إِلاَّ بالحق...} [الحجر: 85].
وقوله تعالى: {وَمَا خَلَقْنَا السماوات والأرض وَمَا بَيْنَهُمَا لاَعِبِينَ} [الدخان: 38].
وهذا يدل على أن السماوات والأرض مخلوقة على هيئة ثابتة، وقد جعل ذلك مدارسَ الفلسفة تستقبل تلك القضية استقبالين؛ استقبالَ مَنْ يريد أنْ يؤمن؛ واستقبال مَنْ يريد أنْ يكفرَ. وانقسم مَنْ أرادوا الكفر إلى فريقين.
الفريق الأول: أخذ من ثبات قوانين الشمس والقمر والأرض دليلاً على أنه لايوجد خالق لهذا الكون، وقالوا: لو أن هناك خالقاً له لغيّر من هيئة السماوات والأرض، ولكن كُل من تلك الكواكب تدير نفسها بآلية ذاتية مُحْكمة.
والفريق الثاني مِمَّن أرادوا الكفر قال: إن الشذوذ في الكون ووجود خَلَل وعيوب خَلقية في بعض من المخلوقات والأنواع؛ دليلٌ على أنه لا يوجد إله. فكيف يخلق إلهٌ مخلوقاً أعمى؛ وآخر أعرجَ؛ وثالثاً بعين واحدة؟
وهكذا أخذ هذا الفريق من أهل الكفر وجود الشذوذ في الكون كدليل على عدم وجود إله.
ومن العجيب أن الفريق الذي أراد التغيير في هيئة السماوات والأرض؛ أراد ذلك كدليل على وجود خالق، والفريق الذي رأى أن هناك شذوذاً في بعض المخلوقات أخذ ثبات الخَلْق على هيئة واحدة كدليل على وجود إله.
كل ذلك يدُّلنا على أن الفريقين قد أخذاَ من قضيتين متعارضتين دليلاً على الكفر، ولم يتفق الفريقان على قضية واحدة، وهذا يوضح التناقض بينهما.
ولو أمعن كل من الفريقين النظر لَعلم كلٌّ منهما أن الإيمان ضرورة أساسية لِفهْم هذا الكون على ثباتَ ما فيه؛ وعلى وجود بعضٍ من الشذوذ فيَه.
فأنت يا مَنْ تنتظر ثباتاً في الأكوان خُذْ ثبات آلية الحركة في السماوات والأرض والشمس والقمر دليلاً على الإيمان بوجود خالق إله قادر.
وأنت يا مَنْ تأخذ التغيُّر في الخلق دليلاً على وجود خالق؛ فها أنت ترى اختلاف بعض المخلوقات ما يجعلك تعثر على عدم التماثل في المخلوقات دليلاً على وجود إله خالق له طلاقة القدرة.
وأوضح الحق سبحانه لنا أنه لم يخلق السماوات والأرض لعبة؛ بل خلقهما بالحق، وهناك فارق بين اللعبة والحق، فاللعبة قد يتوصل إليها مَنْ يعبث بشيء؛ فتخرج له صُدْفة يستخدمها هو أو غيره كَلُعبة.
يقول الحق: {خَلَقَ السماوات والأرض بالحق تعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ} [النحل: 3].
أما الخلق بالحق؛ فهذا يعني أن مَنْ يخلقها إنما يفعل ذلك بموازين دقيقة مُحْكمة؛ ويصنعها على نظام ثابت له قضية تحكمه من الحكمة والحق.
وما دام الكون الأعلى ثابتاً؛ فإن الحق سبحانه هو الذي خلق السماوات والأرض، وما دُمْتَ تريد ثباتاً في حركتك الاختيارية؛ فخُذ المنهج الذي أنزله الله بالحق؛ فتثبت قضاياك كما ثبتت القضايا العليا؛ وأنت حين تخرج عن منهج الحق تجد فساداً.
وإذا أردتَ ألاَّ يوجد فساد في المجتمع من أيّ لَوْنٍ فابحث عن حكم الله الذي ضَيّعه الإنسان في مخالفة منهجه تجد أن ضياعه هو السبب في وجود الفساد؛ واقرأ قوله الحق في سورة الرحمن: {الرحمن عَلَّمَ القرآن خَلَقَ الإنسان عَلَّمَهُ البيان الشمس والقمر بِحُسْبَانٍ والنجم والشجر يَسْجُدَانِ والسمآء رَفَعَهَا وَوَضَعَ الميزان أَلاَّ تَطْغَوْاْ فِي الميزان وَأَقِيمُواْ الوزن بالقسط وَلاَ تُخْسِرُواْ الميزان} [الرحمن: 1-9].
وهكذا أنت ترى الشمس- على سبيل المثال- منضبطة في شروقها وغروبها وكُسُوفها؛ وكذلك القمر في سُطوعه أو مَحاقه أو خسوفه.
وكما رفع الحق سبحانه السماء ووضع الميزان؛ فعليكم أنْ تَزِنوا كُلَّ أمر بالميزان الصحيح لتنصلح أموركم، فإن اعتدال الموازين المادية والمعنوية والقيمية هي استقرار لحركة الحياة.
أما إنْ ظللتُم على العِوَج فاعلموا أنه سبحانه قادر على أن يُذهِبكم وأن يأتي بخَلْق جديد: {إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ} [إبراهيم: 19].
إن منطوق الآن ومفهومها ليس مراده سبحانه؛ لأن الله خلق الخَلْق، ووهبهم الاختيار لِيُقبِل الخلق على الله، رغم أنه سبحانه قد ملّكهم ألاَّ يُقبِلوا عليه.
وفي موقع آخر يقول سبحانه: {هَا أَنتُمْ هؤلاء تُدْعَوْنَ لِتُنفِقُواْ فِي سَبِيلِ الله فَمِنكُم مَّن يَبْخَلُ وَمَن يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ والله الغني وَأَنتُمُ الفقرآء وَإِن تَتَوَلَّوْاْ يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لاَ يكونوا أَمْثَالَكُم} [محمد: 38].
ويقول في قضية إنكار اليهود لطريقة ميلاد المسيح عيسى بن مريم: {وَلَمَّا ضُرِبَ ابن مَرْيَمَ مَثَلاً إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ وقالوا أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاَّ جَدَلاً بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ إِنْ هُوَ إِلاَّ عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلاً لبني إِسْرَائِيلَ وَلَوْ نَشَآءُ لَجَعَلْنَا مِنكُمْ مَّلاَئِكَةً فِي الأرض يَخْلُفُونَ} [الزخرف: 57-60].
إذن: فطلاقة قدرة الله التي خلقته بلا أبٍ، يمكن أن تفعل تلك القدرة المطلقة ما تشاء، فلا شيء يتأبَّى على مرادات الحق ولا على قدراته.
ويقول في موقع آخر: {فَلاَ أُقْسِمُ بِرَبِّ المشارق والمغارب إِنَّا لَقَادِرُونَ على أَن نُّبَدِّلَ خَيْراً مِّنْهُمْ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ} [المعارج: 40-41].
فلا أحد يسبق إرادة الله أو مشيئته.
ويقول الحق سبحانه مؤكداً أن قدرته على المجيء بخلق جديد ليست مسألة مستحيلة: {وَمَا ذلك...}.


{وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ(20)}
والشيء العزيز هو الشيء المُمْتِنع. والله سبحانه لا يُغْلَب. وقد بيَّن لنا في جزئيات الحياة أنه يذهب بنبات ويأتي بنبات آخر، ويذهب بحيوان ويأتي بحيوان آخر؛ وكذلك يذهب بالجماعة من البشر ويأتي بغيرهم.
ويقول سبحانه بعد ذلك: {وَبَرَزُواْ للَّهِ جَمِيعاً...}.


{وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا فَقَالَ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ قَالُوا لَوْ هَدَانَا اللَّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ(21)}
والبروز أن يظهر شيء كان خفياً. ويُال (رجل بارز) أي: مرموق وقَيْد الأبصار، ولا تُفتَح الدنيا إلا عليه، ويُقال (امرأة بارزة) أي: امرأة تختلط بالرجال وغير مُستترة.
ويقول سبحانه: {وَتَرَى الأرض بَارِزَةً..} [الكهف: 47].
أي: سيرى كُلٌّ منا كُلّ الأرض في اليوم الآخر وهي مكتملة؛ لا جزء منها فقط كما يحدث في حياتنا الدنيوية؛ ذلك أن الحق سبحانه قد قال لنا: {فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَآءَكَ فَبَصَرُكَ اليوم حَدِيدٌ} [ق: 22].
ويُقال أيضاً (فرس بارز) وهو ما يطلق على الحصان الذي يفوز عند التسابق مع غيره؛ ولا يستطيع فرس آخر أنْ يسبقه؛ لذلك فهو فرس تراه العين أثناء السباق بوضوح.
ونعلم أن الخيْلَ في لحظات السباق تثير أثناء تسابقها غباراً- أي: تراباً يُضبِّب المرئيات- فلا يرى أحد تفاصيل الموقع الذي تجري فيه الخيول؛ أما إذا ظهر فرس يسبق الجميع فلا خيول أخرى قريبة منه تثير غباراً يمنع رؤيته بارزاً واضحاً.
وهنا يقول الحق سبحانه: {وَبَرَزُواْ للَّهِ جَمِيعاً..} [إبراهيم: 21].
ولقائل أن يسأل: وهل كانت هناك أشياء خافية عنه سبحانه ثم برزت؟
ونقول: إنه سبحانه مُنزَّه أن تَخْفي عنه خافية في الأرض أو السماء أو الكون كله، ولكن المقصود هنا أنهم يبرزون عند أنفسهم، ويرون وجودهم واضحاً أمام الحق سبحانه.
وهم مِنْ قَبْل كانوا: {يَسْتَخْفُونَ مِنَ الناس وَلاَ يَسْتَخْفُونَ مِنَ الله وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لاَ يرضى مِنَ القول وَكَانَ الله بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطاً} [النساء: 108].
وكانوا قد ظَنُّوا أنهم قادرون على أن يخفوا عن ربهم ما كانوا يفعلون؛ ويُبيِّتون ويمكرون؛ ونجدهم يوم القيامة مفضوحين أمام خالقهم؛ حُكْمهم في ذلك حُكْم كل الخَلْق.
أو: برز كل واحد منهم أمام نفسه، ورأى نفسه أمام الله.
ونعلم أنه سبحانه قد خلق الخَلْق على لونين؛ لون مقهور فيه الإنسان، ولا إرادةَ له: ولَوْنٍ مُخيّر فيه الإنسان، ونسبة ما منع فيه الإنسان الاختيار قليل، إذا ما قيس بما ليس له في اختيار.
وقد شاء الحق سبحانه ذلك؛ لأنه علم أزلاً أن الإنسان الذي تعوّد على أنْ يتمرّد على الله؛ فهو يُوضِّح له: أنت قد أَلِفْتَ التمرد وقَوْل (لا)، وقد تُجاهِر بالكفر، وتحارب من أجله، وتريد أن تخرج عن مرادات الحق؛ فَإنْ كنت صادقاً في أن هذا الخروج ذاتيّ فيك؛ فتمرّد على القهريات التي تنتابك.
ويعلم الإنسان بالتجربة أنه غَيْرُ قادر على ذلك؛ فلا الفقيرَ يستطيع أن يثريَ دون مشيئة الله؛ والمريض لا يستطيع أن يشفي دون مشيئة الله؛ والضعيف لا يستطيع أن يقوى ضد إرادة الله.
وكل هذا يدل على أن ملكية الله لك لا تزال بالقهر فيك؛ وسيأتي يوم يسلب منك الاختيار.
{لِّمَنِ الملك اليوم لِلَّهِ الواحد القهار} [غافر: 16].
وأنت تبرز بكُلِّ تكوينك لحظتها أمام نفسك، وتجد الحق سبحانه أمامك. وأنت إما أن تكون بارزاً بكل تكويناتك أمام نفسك لحظة وقوفك أمام خالقك، أو يكون المقصود بقوله الحق وقوف كل الخَلْق أمامه بارزين، سواء أكانوا تابعين أو متبوعين.
ولحظتها سنجد قوله الحق مُطبقاً.
{فَقَالَ الضعفاء لِلَّذِينَ استكبروا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا..} [إبراهيم: 21].
وهكذا نرى أن هناك حواراً بين اثنين من البشر؛ نوع مستكبر، وهم القادة السادة الذين يُلقون أوامرهم؛ لِيُنفِّذها الضِّعاف، ثم يُفاجأ الضعاف التابعون أن رؤوسهم تساوتْ في اليوم الآخر مع هؤلاء الأقوياءالجبابرة؛ ويروْنَ ما ينتظرهم جميعاً من عذاب؛ فيسأل الضعاف أهلَ الجبروت: {فَهَلْ أَنتُمْ مُّغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ الله مِن شَيْءٍ} [إبراهيم: 21].
وهؤلاء المستكبرون سبق لهم أن استكبروا على هؤلاء الضِّعاف بما لهم من قوة وسيادة، أو استكبروا على الرسل إيماناً كما أوضح الحق سبحانه في موقع آخر من القرآن: {وَقَالُواْ لَوْلاَ نُزِّلَ هذا القرآن على رَجُلٍ مِّنَ القريتين عَظِيمٍ} [الزخرف: 31].
وفي هذا القول استكبارٌ على الإيمان، وكأنهم يُعدِّلون على الله- والعياذ بالله- مشيئته وواسع علمه الذي يختار به الرسل.
أو: أنهم قد استكبروا على أنفسهم فلم يؤمنوا؛ أو: أنهم قد استكبروا على الأتباع بما لهم من جاه ونفوذ فلم يقدر الأتباع على مخالفتهم؛ لذلك يقول لهم الأتباع لحظة تساوي الرؤوس: {فَهَلْ أَنتُمْ مُّغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ الله مِن شَيْءٍ} [إبراهيم: 21].
وهذا تقريع وخِزْي وفضيحة للتابع.
ونعلم أن الحق سبحانه قال في موقع آخر من القرآن على لسان التابعين: {رَبَّنَآ إِنَّآ أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَآءَنَا فَأَضَلُّونَا السبيلا رَبَّنَآ آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ العذاب والعنهم لَعْناً كَبِيراً} [الأحزاب: 67-68].
وقد عرض الحق سبحانه هذه المسألة علينا لنتعلم من البداية كيف يكون ميزان التبعية؟ وإياك أن تتبع في أمر إلا إذا اقتنعتَ أنه يأتي. لك بخير، وأنه يدفع عنك الشر، ولينتبه كل منا جيداً ولا يعطي زمام قيادة حركة الحياة إلا عن بينة.
وليتذكر كل منا قوله الحق: {كَمَثَلِ الشيطان إِذْ قَالَ لِلإِنسَانِ اكفر فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي برياء مِّنكَ إني أَخَافُ الله رَبَّ العالمين} [الحشر: 16].
فحين يأتيك أمر مخالف لمنهج الله؛ عليك أن تُعْلي منهج الله فوق كل أمر. وقد أوضح لنا الحق سبحانه ذلك كي ننتَبه جيداً فلا نُلْقي على شر؛ وهل يستطيع أن يدرأَ عنا الشر، وأن يُنجِينا من الإصابة بمكروه؟
فليكُنْ كُلٌّ مِنَّا على بينة من أمره، وقد قال الحق سبحانه في سورة الرحمن: {فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} [الرحمن: 16].
والآلاء هي النعم؛ ومن أَرْقى النعم هي تلك القيم التي أوضحها لنا الحق سبحانه لنسير على هُدَاها في الحياة الدنيا كي لا نُقبِل على الحياة بجهالة؛ بل بتوضيح وتبيان لكل شيء.
وهكذا يجب أن يتصرف التابع مع المتبوع كي لا يقف في موقف الخزي المشترك بين الاثنين في يوم الحساب؛ حيث يقول التابعون للمتبوعين: {إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنتُمْ مُّغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ الله مِن شَيْءٍ..} [إبراهيم: 21].
وهذا القَوْل القرآني يتكلم به ربُّ العالمين؛ وكُلُّ حرف فيه لهدف ومعنى.
وقوله: {مِنْ عَذَابِ الله مِن شَيْءٍ...} [إبراهيم: 21].
يعني أنهم لن يقدروا أنْ يُخفِّفوا ولو جزءاً بسيطاً من عذاب الله، وكأنهم يُسهّلونها عليهم، فيطلبون منهم أن يتحمّلوا؛ أو أنْ يُخففوا عنهم ولو جزءاً بسيطاً من العذاب.
والمثَلُ على ذلك حين يطلب إنسان من آخر جنيهاً؛ فيقول له: ليس معي غيره، فيردُّ الطالب: إذنْ أعطني بعضاً منه، وكأنه يطلب ولو رُبْعه أو عشرة قروش منه.
هكذا قال الذين اتبعوا لمن اتبعوهم؛ فماذا يكون الرد من هؤلاء الذين تأبَّوْا على الله إيماناً به؛ ها هم يردُّون على مَنْ سألوهم أنْ يُخفِّفوا ولو جزءاً قليلاً من العذاب: {قَالُواْ لَوْ هَدَانَا الله لَهَدَيْنَاكُمْ سَوَآءٌ عَلَيْنَآ أَجَزِعْنَآ أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِن مَّحِيصٍ} [إبراهيم: 21].
وهكذا يتكشّف كذبهم؛ فهم يدَّعُون أن معنى الهداية هو أنْ يهبَهُم اللهُ الإيمان؛ مُتنَاسين أن معنى الهداية هو الدلالة المُوصِّلة إلى الغاية.
ولنَا في قول الحق سبحانه ما يُوضِّح المعنى: {والذين اهتدوا زَادَهُمْ هُدًى...} [محمد: 17].
فمَنْ يُقبِل على الإيمان بصدر مُنشرح يجد كُلّ سُبل الخير أمامه؛ أما مَنْ كفر فكيف يهديه الله، وهو قد استحبّ العمى على الهُدى؟ لن يجد بطبيعة الحال أيَّة هداية.
ويقول الكافرون ذلك لِمَن اتبعوهم في يوم الحشر؛ ذلك أنهم يروْنَ رَأْي العين أن الجنةَ حَقٌّ؛ والنار حَقٌّ، والحساب حَقٌّ؛ لذلك يعترفون أمام مَنِ اتبعوهم في الدنيا بأن الحقَّ سبحانه لو أخذ بيدهم في الحياة الدنيا إلى الإيمان لَقْدناكم إلى هذا الإيمان؛ وهم في ذلك أصحاب رأي مغلوط.
وذلك قولهم: {لَوْ هَدَانَا الله لَهَدَيْنَاكُمْ...} [إبراهيم: 21].
ونعلم أن الإنسان إذا ما وقع في مأزق أقوى من قدراته: ولا فجْوة فيه للنجاة؛ فهو يستقبل هذا المأزق بأحد استقبالين؛ الاستقبال الأول: أن يجزعَ ويتضرعَ؛ والاستقبال الثاني: أنْ يصمدَ ويصبرَ.
وهنا نجد الكافرين يقولون: {سَوَآءٌ عَلَيْنَآ أَجَزِعْنَآ أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِن مَّحِيصٍ} [إبراهيم: 21].
أي: أنهم سواء جَزِعوا وتضرَّعوا أو صبروا وصمدوا فلن يُنجيهم الله مِمَّا هم فيه؛ فلا مَهْرب ولا مَنْجي.
و(حاص) في المكان أي: ذهب إلى هنا أو هناك، ولا يجد راحة؛ ونجد في تعبيرنا العاميّ ما يُصوّر ذلك وهو قولنا (فلان حايص) أي: لا يجد مكاناً يرتاح فيه.
ولذلك يقال: (نَبَتْ بهم الأرض)؛ أي: أن كُلَّ مكان في الأرض يرفضهم؛ ويشرح الحق سبحانه هذه القضية فيقول: {حتى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأرض بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ...} [التوبة: 118].
وهكذا نرى مَن نَبت بهم الأرض؛ إنما لا تسعهم أنفسهم أيضاً بل تضيق عليهم؛ ونسمع مِمَّنْ يُنكّل بهم الحق في الحياة الدنيا مَنْ يقول: (أنا لا أطيق نفسي).
وهذا ما يحدث بالفعل لبعض من الناس في لحظات الضيق؛ فتضيق ذات أيٍّ منهم عن حَمْل ذاته، وكأن الواحدَ منهم له ذاتان؛ وكأن الواحد منهم له صورتان؛ الصورة التي تُزِّين الشهوة؛ وحين تزيد عن الحَدِّ يعود إلى صورة كَارِه الشهوة؛ وهو لا يسعَدُ في الحالتين؛ عشق الشهوة وكراهيتها.
ويقول الحق سبحانه من بعد ذلك: {وَقَالَ الشيطان لَمَّا قُضِيَ الأمر إِنَّ الله وَعَدَكُمْ...}.

حنين الاشواق
01-14-2012, 03:09 PM

حنين الاشواق
01-14-2012, 03:10 PM
{وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ(26)}
وحين نقارن الكلمة الخبيثة بالكلمة الطيبة سنكتشف الفارق الشاسع؛ فالكلمة الخبيثة مُجْتثَّة من فوق الأرض؛ والجُثَّة كما نعلم هي الجسد الذي خرجتْ منه الروح، ومن بعد أن يصبح جُثة يصير رِمَّة؛ ثم يتحلَّل إلى عناصره الأولى.
إذن: فالاجتثاث هو استئصالُ الشيء من أصله وقَلْعه من جذوره، أما المقابل في الشجرة الطيبة فأصلها ثابت لا تُخلخله ظروف أو أحداث، والكلمة الخبيثة بلا جذور لأنها مُجْتثّة؛ وليس لها قَرار تستقر فيه.
وحين تكلَّم المُفسِّرون عن الشجرة الطيبة منهم مَنْ قال إنها النخلة لأن كُلَّ ما فيها خير؛ فورقها لا يسقط، ويبقى دائماً كَظِلٍّ وكل ما فيها يُنتفعَ به.
فنحن- على سبيل المثال- نأخذ جذع النخلة ونصنع منه أعمدة في بيوت الرِّيف، وجريد النخل نصنع منه الكراسي؛ والليف الموجود بين الأفرع نأخذه لنصنع منه الحبال؛ والخوص نصنع منه القُفف.
والذين حاولوا أن يُفسِّروا (الشجرة الخبيثة) بأنها شجرة الحَنْظل، أو شجرة التين، أو شجرة الكُرَّات؛ لكل هؤلاء أقول: لقد خلقها الحق سبحانه لتكون شجرة طيبة في ظروف احتياجنا لها؛ لأنك حين تنظر إلى الكون ستجد أن مِزَاجه مُتنوِّع؛ ومُقوِّمات الحياة ليستْ هي الأكل والشرب فقط؛ بل هناك توازن بيئيّ قد صمّمه الحق تعالى، وهو الأعلم مِنّا جميعاً بما خلق؛ ولم يخلق إلا طَيّباً.
وكل شيء في الكون له عطاء مستمر يُشع في الجو، والمَثَل هو تساقط أوراق الشجر التي تُعيد الخِصْب مرة أخرى إلى الأرض. وكلها أمور يُبديها الحق سبحانه ولا يبتديها، أي: يُظهرها بعد أنْ كانت موجودة أَزلاً ومَخفية عَنَّا.
وهو جَلَّ وعلاَ يرفع قوماً ويَخفِض قوماً؛ وهو القائل عن ذاته: {كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ} [الرحمن: 29].
وكلُّنا نعلم أن اليوم عند منطقة ما يبدأ في توقيت مُعيّن، وينتهي في توقيت مُعين؛ وتختلف المناطق الجغرافية وتختلف معها بدايات أيِّ يوم من منطقة إلى أخرى؛ فبعد لحظة من بداية يومك يبدأ يوم آخر في منطقة أخرى؛ وهكذا تتعدد الأيام وبدايات النهار والليل عند مختلف البشر والمجتمعات.
ولذلك فحين نسمع قول الرسول صلى الله عليه وسلم: «إن الله عز وجل يبسط يده بالليل ليتوب مُسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل حتى تطلع الشمس من مغربها».
فمعنى ذلك أن يَد الله مبسوطة دائماً، ذلك أن الليلَ يبدأ في كل لحظة عند قَوْم، ويبدأ النهار عند قوم في نفس اللحظة؛ ويتتابع ميلاد الليل والنهار حَسْب دوران الشمس حول الأرض.
وهكذا لا يجب أن نظلم شجرة الثوم، أو شجرة الحَنْظل، أو أي شجرة من مخلوقات الله ونَصِفَها بأنها شجرة خبيثة، فلا شيء خبيثٌ من مخلوقات الله.
ونحن حين نجد شاباً يقوم بثَنْي قطعة من الحديد قد يحسبه الجاهل أنه يُسيء استخدام الحديد، ولكن العاقل يعلم أنه يقوم بِثَنْيها ليصنع منها مَا يفيده؛ كخُطَّاف يشدُّ به شيئاً يلزمه.
وعمدة الكلمة الطيبة هي شهادة (لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله) ومن هذه الشهادة يتفرَّع كل الخير. ومن هنا نعلم أن عُمْدة الكلمة الخبيثة هي الكفر بتلك الشهادة، وما يتبع الكفر من عناد لرسول الله صلى الله عليه وسلم وصَدٍّ عن سبيل الله؛ ومن تكذيبٍ لمعجزات الرسل؛ وإنكارٍ لمنهج الله.
ولقائل أنْ يقول: ما دام الحق سبحانه قد قال إن هناك شجرةً خبيثة؛ فلابد أن تُوجَد تلك الشجرة، وأقول: إن كُلَّ ما يضرُّ الإنسان في وقت ما هو خبيث؛ فالسكر مثلاً يكون خبيثاً بالنسبة لمريض بالسكر؛ وكل كائن فيه حسناتٌ مفيدة؛ وله جانب ضَارّ في حالات معينة؛ وعلى الإنسان المختار أن يُميِّز ما يضرُّه وما ينفعه.
ونلحظ هنا في وَصْف الكلمة الخبيثة بأنها كالشجرة الخبيثة؛ أن الحق سبحانه لم يَقُلْ إن تلك الشجرة الخبيثة لها فَرْع في السماء؛ ذلك أنها مُجْتثة من الأرض؛ مُخْلخلة الجذور؛ فلا سَند لها من الأرض؛ ولا مددَ لها من السماء.
ولذلك يَصِفها الحق سبحانه: {مَا لَهَا مِن قَرَارٍ} [إبراهيم: 26].
أي: ما لها من ثبات أو قيام، وكذلك الكُفْر بالله؛ ومَنْ يكفر لا يصعد له عمل طيّب، فلا أساسَ يصعد به العمل أو القول الطيب. ولهذا وصفت الشجرة الخبيثة بصفات ثلاث، أولها: أنها شجرة خبيثة وثانيها: أنها عديمة الأصل بغير ثبات، وثالثها: ما لها من قرار لعدم ثبات الأصل.
ثم يبين الله جل علاه متحدثاً عن حصاد الحالتين، فالأولى: أمن وأمان في الدنيا والآخرة. والحالة الثانية: ظلم بضلال، وقلق بضنك، وفي الآخرة لهم عذاب أليم.
ويقول سبحانه وتعالى: {يُثَبِّتُ الله الذين آمَنُواْ...}.


{يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ(27)}
وتأتي هنا كلمة (التثبيت) طبيعية بعد قوله: {اجتثت مِن فَوْقِ الأرض مَا لَهَا مِن قَرَارٍ} [إبراهيم: 26].
لأن الذي يُجتثُّ لا ثبوتَ له ولا استقرارَ؛ فجاء بالمقابل بقوله: {يُثَبِّتُ الله الذين آمَنُواْ...} [إبراهيم: 27].
وتُوحي كلمة التثبيت أيضاً بأن الإنسان ابنٌ للأغيار، وتطرأ عليه الأحداث التي هي نتيجة لاختيار المُكلَّفين في نفاذ حُكْم أو إبطاله، فالمُكلَّف حين يأمره الله بحكم؛ قد يُنفِّذه، وقد لا ينفذه.
وكذلك قد يتعرض المكلّف لمخالف لمنهج الله، فلا يُنفِّذ هذا المخالفُ تعاليم المنهج؛ ويؤذي مَنْ يتبع التعاليم، وهنا يثق المؤمن أن له إلهاً لن يخذله في مواجهة تلك الظروف، وسينصره إنْ قريبٌ أو بعيد على ذلك.
وهكذا لا تنال الأحداث من المؤمن، ويصدق قوله الحق: {يُثَبِّتُ الله الذين آمَنُواْ...} [إبراهيم: 27].
فهم قد آمنوا بوجوده وبقدرته، وبأن له طلاقة مشيئة يُثبِّتهم بها مهما كانت جسامة الأحداث؛ ذلك أن المؤمن يعلم عن يقين أن الحق سبحانه قد قال وصدق: {أَلاَ بِذِكْرِ الله تَطْمَئِنُّ القلوب} [الرعد: 28].
وما دام المؤمن قد ثبت قلبه بالإيمان وبالقول الثابت؛ فهو لا يتعرّض لزيغ القلب؛ ولا يتزعزع عن الحق.
والتثبيت يختلف في أعراف الناس باختلاف المُثبّت؛ فحين يُخلْخَل عمود في جدار البيت؛ فصاحب البيت يأتي بالمهندس الذي يقوم بعمل دعائمَ لتثبيت هذا العمود؛ ويتبادل الناسُ الإعجابَ بقدرات هذا المهندس، ويتحاكى الناس بقدرات هذا المهندس على التثبيت للأعمدة التي كادتْ أنْ تنهار، وهذا ما يحدث في عُرْف البشر؛ فما بَالُنا بما يمكن أنْ يفعله خالق البشر؟
وقوله الحق: {يُثَبِّتُ الله الذين آمَنُواْ..} [إبراهيم: 27].
يرُّدك إلى المُثبِّت الذي لَنْ يطرأ على تثبيته أدنى خَلَل. وكلمة (التثبيت) دَلَّتْنَا على أن الإنسان ابنُ أغيارٍ؛ وقد تحدثُ له أشياء غَيْر مطابقة لما يريده في الحياة؛ لذلك فالمؤمن يجب ألاّ يَخُور؛ لأن له رباً لا تدركه الأبصار، وهو يدرك الأبصار.
وسبحانه يُثبِّت الذين آمنوا: {بالقول الثابت فِي الحياة الدنيا...} [إبراهيم: 27].
والقول الثابت؛ لأنه من الحَقِّ الذي لا يتغيَّر؛ وهذا القَوْلِ مُوجَّه للمؤمنين الذين يواجههم قَوْم أشرار اختاروا أنْ يكونوا على غير منهج الله.
وهذا القول يوضح للمؤمنين ضرورة أن يهدأوا؛ وأنْ يجعلوا أنفسهم في معيّة الله دائماً، وأنْ يعلموا أنّ الظالمَ لو عَلِم ما أعدَّه الله للمظلوم من ثواب وحُسْن جزاء لَضَنَّ الظالم بظُلْمه على المظلوم ولَقَال: ولماذا أجعل الله في جانبه؟
والذين اضْطهِدوافي دينهم؛ وقام الكفار بتعذيبهم؛ لم يُفْتَنوا في الدين؛ فكلما قَسا عليهم الكفار ضَرْباً وتعذيباً كلما تذكروا حنانَ الحقِّ فتحمّلوا ما يذيقهم الكافرون من عذاب.
وحُسْن الجزاء قد يكون في الدنيا التي يُثبَّت فيها المؤمن بمشيئة الله؛ وهي بنت الأغيار وبنت الأسباب؛ فأنت في الدنيا تحوز على أيِّ شيء بأن تتعبَ من أجل أنْ تحصلَ عليه، وتكِدّ لتتعلم؛ وتعثر على وظيفة أو مهنة؛ ثم تتزوج لِتُكوِّن أُسْرة؛ وتخدُم غيرك؛ ويخدُمك غيرك، وتزاول كل أسبابك بغيرك؛ فأنت تأكل مما تطبخ زوجتك، أو أمك أو مَنْ تستخدمه ليؤدي لك هذا العمل.
باختصار كلما ارتقيتَ؛ فأنت ترتقي بأثر مجهود ما. وكُلّ متعة تحصل عليها إنما هي نتيجة لمجهود جَادٍّ منك؛ وأنت تحاول دائماً أن تُقلِّل المجهود والأسباب لتزيد من متعتك.
فَما بالُكَ بالآخرة التي لا تكليفَ ولا أسبابَ فيها؛ وكل ما فيها قد جهَّزه الحق تعالى مقدّماً للإنسان؛ ثواباً إنْ آمنَ، وعذاباً إنْ كفر وعصى، وإنْ كنتَ مؤمناً فالحق سبحانه يُجازيك بجنة عَرْضها السماوات والأرض؛ فيها كُلُّ ما تشتهي الأنفس.
وإذا كان الحق سبحانه يُثبِّت الذين آمنوا في الدنيا بالقول الثابت الحق فتثبيتُه لهم في الآخرة هو حياةٌ بدون أسباب.
ونجده سبحانه لم يَقُلْ هنا: الحياة الآخرة، بل قال: {فِي الحياة الدنيا وَفِي الآخرة...} [إبراهيم: 27].
ذلك أن الارتقاءات الطُّموحية في الحياة تكون مناسبة للمجهود المبذول فيها، ولكن الأمرَ في الآخرة يختلف تماماً؛ لأن الحق سبحانه هو الذي يُجازي على قَدْر طلاقة مشيئته، وهو يُثبِّتهم بداية من سؤال القبر ونهايةَ إلى أن يَلْقوا الثواب على حُسْن ما فعلوا من خير في سبيل الله.
وما دام الحق سبحانه قد ذكر هنا التثبيتَ في الحياة الدنيا والآخرة؛ فلابد أن يأتي بالمقابل، ويقول: {وَيُضِلُّ الله الظالمين وَيَفْعَلُ الله مَا يَشَآءُ} [إبراهيم: 27].
وسبحانه يُضلّ الظالم لأنه اختار أنْ يظلم؛ وهو سبحانه قد جعل للإنسان حَقَّ الاختيار، فَمنَ اختار أن يظلمَ؛ لابد له من عقاب. وإذا كان سبحانه قد خلق الخَلْقَ وجعل الكون مُسخراً لهم؛ وأعطى المؤمن والكافر من عطاء الربوبية؛ فإن اختار الكافرُ كفره؛ فهو لن يُنفِّذ تكاليف الألوهية التي أنزلها الله منهجاً لهداية الناس.
والكافر إنما يظلم نفسه؛ ذلك أنه ما دام قد أنِسَ إلى الكفر فالحق سبحانه يختم على قلبه؛ فلا يخرج من القلب الكفر، ولا يدخل إليه الإيمان؛ وهو رَبُّ العالمين يفعل ما يشاء.
وإذا كان الحق سبحانه يعطي كل إنسان ما يريد؛ وما دام الكافر يطلب أن يكون كافراً؛ فسبحانه يمدُّ له في أسباب الكفر ليأخذه من بعد ذلك بها؛ كما يمدُّ الله للمؤمنين كُلَّ أسباب الإيمان مِصْداقاً لقوله الحق: {كُلاًّ نُّمِدُّ هؤلاء وهؤلاء مِنْ عَطَآءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَآءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً} [الإسراء: 20].
وهكذا تكون طلاقة قدرة الحق سبحانه وهو يفعل ما يشاء، ذلك أنه لا يوجد إله غيره.
والحق سبحانه قد أكرمنا بالعبودية له وحده، ذلك أننا رأينا جميعاً وشاهدنا أثر عبودية الإنسان للإنسان؛ حين يأخذ السيد خَيْر العبد؛ وقد ذاقتْ البشرية الكثير من وَيْلاتها، ولكن العبودية لله تختلف تماماً حيث يأخذ العبد خَيْر السيد؛ ويُغدِق السيد إحسانه على عباده.
ويقول الحق سبحانه من بعد ذلك: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين بَدَّلُواْ....}.


{أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ(28)}
وحين يقول الحق سبحانه: {أَلَمْ تَرَ إِلَى...} [إبراهيم: 28].
فهذا يعني أن المُخِبر وهو الحق إذا ما أخبرنا بشيء فهو أصدق مِنْ أنْ تراه أعيننا.
وتشير الآية إلى عملية مُبَادلة بين اعتراف بالنعمة؛ ثم إنكارها. كأن هناك شيئاً قد استبعدناه، وأتيْنا ببديل له. والحق سبحانه هو القائل: {أَتَسْتَبْدِلُونَ الذي هُوَ أدنى بالذي هُوَ خَيْرٌ...} [البقرة: 61].
والحق سبحانه وتعالى قد أعطاك النعمة ولم يطلب منك أن تقومَ بأيِّ تكليف إيمانيٍّ قبل البلوغ. وهكذا نجد أن النعمة هي الأصل، والتكليف إنما يأتي من بعد ذلك، وكان من الواجب ألاَّ يعصي العبد مَنْ أنعم عليه بكل النعم، وأن يتجه إلى التكليف بمحبة؛ كي لا يقلب نعمة الله كفراً.
أو: أن المقصود هم قوم قريش الذين أفاء الله عليهم الخير، وجعل لهم الحرم آمناً: {أَوَلَمْ نُمَكِّن لَّهُمْ حَرَماً آمِناً يجبى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِّزْقاً مِّن لَّدُنَّا ولكن أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} [القصص: 57].
وكذلك أنعم عليهم بأن يكون نبي الإسلام- الدين الخاتم- منهم، وهو النبي الذي ستدين له الدنيا والعالم في كل زمان ومكان؛ فلماذا يُبدِّلون تلك النعمة كفراً؟
أمَا كانت تلك النعمة وحدها كافية لمقابلتها بعميق الشكر وحُسْن العبادة؟ فهذا النبي الذي قال الحق سبحانه عن رسالته: {وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ} [الزخرف: 44].
وهو سبحانه القائل عن نعمه عليهم: {لإِيلاَفِ قُرَيْشٍ إِيلاَفِهِمْ رِحْلَةَ الشتآء والصيف فَلْيَعْبُدُواْ رَبَّ هذا البيت الذي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ} [قريش: 1-4].
فكيف يُبدِّلون نعمة الله كفراً؟ وكيف يُسيئون معاملة الرسول صلى الله عليه وسلم وصَحْبه حتى قال صلى الله عليه وسلم: «اللهم اجعل سنينهم كسنين يوسف».
وخرج لقتالهم في بدر؛ وهم الذين صنعوا بأنفسهم ذلك نتيجة تبديلهم لنعمة الله كفراً، ولماذا قَبِلوا عطاء الحق من خير ونعم ورفضوا منهجه؟
ولو كانوا قوم صِدْق مع النفس، وصدق مع ما يعتقدونه لَطلبوا من الأصنام أن تعطيهمَ؛ أو لَرفضوا أن يأخذوا خَيْر المنعم ما داموا قد رفضوا منهجه، وهو سبحانه قد أنعم عليهم بمُقوِّمات المادة؛ وأضاف لذلك منهجه مُقوم الروح.
وحين نقرأ قول الحق سبحانه: {وَأَحَلُّواْ قَوْمَهُمْ دَارَ البوار} [إبراهيم: 28].
نفهم أن الإحلال هو إيجاد حالٍّ في مَحَلٍّ. ونعلم أن الظَّرف ينقسم إلى قسمين: ظرف مكان، وظرف زمان؛ فإذا أحللْتَ حدثاً محلَّ حَدث؛ فهذا يخصُّ ظرف الزمان، وحين تحل شيئاً مكان شيء آخر، فهذا أمر يخصُّ ظرف المكان.
وهنا يقول الحق سبحانه: {وَأَحَلُّواْ قَوْمَهُمْ دَارَ البوار} [إبراهيم: 28].
وهذا يعني ظرف مكان. ولقائل أن يقول: وكيف يأخذون أهلهم وقومهم ليحلوهم إلى دار بَوَار؟
ونقول: لقد حدث ذلك نتيجة أنهم قد غَشّوهم وخدعوهم، ولم يستعمل هؤلاء الأهل عقولهم؛ ولم يلتفتوا إلى أنّ قادتهم وأُولي الأمر منهم يسلكون السلوك السيء وعليهم ألاَّ يقلدوهم؛ فَجرُّوا عليهم الفتن واحدة تِلْو أخرى، وترين الفتن على القلوب.
ولهذا أراد الحق سبحانه لأمة محمد صلى الله عليه وسلم أن تكون بها مناعات من الفتن؛ فتحثّ النفس اللوامة المؤمن؛ فيكثر الحسنات ليبطل السيئات، وإذا ما تحولت النفس اللوّامة إلى نفس أمَّارة بالسوء وجدتْ في المجتمع المسلم مَنْ يزجرها.
وبهذا تصبح أمة محمد صلى الله عليه وسلم محصَّنة ضد الفتن التي تُذهِب الإيمان.
ويقول الحق سبحانه: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بالمعروف وَتَنْهَوْنَ عَنِ المنكر...} [آل عمران: 110].
ويُذكِّرنا الحق سبحانه بأن الرسولَ سيكون شهيداً علينا، ونحن سنكون شهداء على الناس، وهكذا ضمن الحق سبحانه أن يعلم كُلُّ واحد من أمة محمد جزئية من العلم ليكون امتداداً لرسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ومِثْلما شهد الرسول أنه قد بلَّغ الرسالة؛ سيكون على كل واحد من أمةَ محمد صلى الله عليه وسلم أنْ يشهدَ بأنه قد بلَّغ ما علم من رسالة محمد صلى الله عليه وسلم.
وكُلٌّ منا يعلم كيف حدثتْ الغفلة الأولى؛ حيث حدثتْ الغفلة من الأُسْوة؛ فزاحمتهم الشهوات وارتكبوا السيئاتِ، فحين غفلت النفس ارتكبتْ المعصية؛ وحين رأى الناسُ مَنْ يرتكب المعصية قلَّدوه.
وهكذا حمل مَنْ وقع في الغفلةوزْه ووزْر مَنِ اتبعه بالأُسْوة السيئة؛ فصار ضَالاً في ذاته؛ ثم تحمَّل وِزْر مَنْ أضله أيضاً.
وهكذا صار مَنْ فعل ذلك هو مَنْ أحلَّ قومه دار البوار.
والبوار يعني الهلاك؛ ذلك أن الكبار من هؤلاء القوم حين تصرَّفوا وسلكُوا بما يخالف المنهج أورثوا مَنِ اتبعوهم الهلاك.
ونحن في الريف نَصِفُ الأرض التي لا تصلح للزراعة بأنها الأرض البُور؛ وكذلك يَقُال (قُمْنا بتبوير الأرض) أي: أهلكنا ما فيها من زرع.
وحين نقرأ قول الحق: {وَأَحَلُّواْ قَوْمَهُمْ دَارَ البوار} [إبراهيم: 28].
نجد في كلمة (قومهم) ما يُوحي بالخِسَّة لِمَنْ يرتكبون هذا الفعل الشائن؛ فمَنْ يُهِلك قومه لابد أن يكونَ خسيساً؛ ولابد أن يكون محترف غِشٍّ وخديعة؛ فالقوم هم مَنْ يقومون معهم؛ وكان من اللائق أن تضرب على يد مَنْ يصيبهم بشرٍّ أو يغشّهم أو يخدعهم.
ويشرح الحق سبحانه دار البوار هذه، فيقول: {جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ...}.

حنين الاشواق
01-14-2012, 03:11 PM
{جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ(29)}
وإذا قِسْنا جهنم بالمقرات؛ فلن نجد مَنْ يرغب في أن تكون جهنم هي مقرَّه؛ لأن الإنسان يحب أن يستقر في المكان الذي يجد فيه راحة؛ ولو لم يجد في هذا المكان راحة؛ فهو يتركه.
وجهنم التي يَصْلوْنها لن تكون المقرَّ الذي يجدون فيه أدنى راحة؛ لأن العذاب مُقيم بها؛ ولذلك يصفها الحق سبحانه بأنها: {وَبِئْسَ القرار} [إبراهيم: 29].
فكأنهم ممسوكون بكلاليب فلا يستطيعون منها فكاكاً. وهي تقول: {هَلْ مِن مَّزِيدٍ} [ق: 30].
وكأنهم قد عَشِقوا النار فعشقتهم النار، ولو كانت لديهم قدرة على أنْ يفرُّوا منها لَفعلوا، لكنهم مربوطون بها وهي مربوطة بهم؛ وهي بئس القرار؛ لأن أحداً لن يخرج منها إلا أنْ يشاء الله.
ويقول الحق سبحانه من بعد ذلك: {وَجَعَلُواْ للَّهِ أَندَاداً لِّيُضِلُّواْ...}.


{وَجَعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ(30)}
والنّد هو: المِثْل والمُشَابه. وهم قد اتخذوا لله شركاء؛ وأيّ شريك اتخذوه لم يَقُلْ لهم عن النعم التي أسبغها عليهم ولم يُنزِل لهم منهجاً. وهؤلاء الشركاء كانوا أصناماً، أو أشجاراً، أو الشمس، أو القمر، أو النجوم، ولم يَقُلْ كائن من هؤلاء: ماذا أعطى من نعم ليعبدوه؟
ونعلم أن العبادة تقتضي أمراً وتقتضي نهياً، ولم يُنزِل أيٌّ من هؤلاء الشركاء منهجاً كي يتبعه مَنْ يعبدونهم؛ ولا ثوابَ على العبادة؛ ولا عقَاب على عدم العبادة.
ولذلك نجد أن مِثْل هؤلاء إنما اتجهوا إلى عبادة هؤلاء الشركاء؛ لأنهم لم يأتوا بمنهج يلتزمون به.
ولذلك نجد الدجالين الذين يدَّعُون أنهم رأوا النبي صلى الله عليه وسلم ويتصرفون مع مَنْ يُصدِّقونهم من الأتباع، وكأنهم كائنات أرقى من النبي صلى الله عليه وسلم- والعياذ بالله منهم-.
ومن العجيب أننا نجد بعضاً من المثقفين وهم يتبعون هؤلاء الدجالين. وقد يبتعد عنه بسطاء الناس؛ ذلك أن النفس الفطرية تحب أن تعيش على فطرة الإيمان؛ أما مَنْ يأتي ليُخفِّف من أحكام الدين؛ فيهواه بعض مِمَّنْ يتلمسون الفِكَاك من المنهج.
وبذلك يجعل هؤلاء الأتباع مَنْ يخفف عنهم المنهج نِداً لله- والعياذ بالله- ويضلون بذلك عن الإيمان.
والحق سبحانه يقول هنا: {وَجَعَلُواْ للَّهِ أَندَاداً لِّيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِهِ..} [إبراهيم: 30].
أي: لِيُضِلوا غيرهم عن سبيل الله.
وهناك قراءة أخرى لنفس الآية (لِيَضلوا عن سبيل الله)، وأنت ساعةََ تسمع حدثاً يوجد ليجيء حدث كنتيجة له، فأنت تأتي ب (لام التعليل) كقولك (ذاكر الطالب لينجح) هنا أنت لم تَأْتِ بفعل ونقيضه. وهل كانوا يضلون أنفسهم؟
لا، بل كانوا يتصوَّرون أنهم على هُدىً واستقامة، وهذه تُسمَّى (لام العاقبة) وهي تعني أنه قد يحدث بعد الفعل فِعْل آخر كان وارداً. وهذه تُسمَّى (لام تعليلة).
ولكن قد يأتي فِعْل بعد الفعل ولم يكن صاحبُ الفعل يريده؛ كما فعل فرعون حين التَقط موسى عليه السلام من الماء ليكون ابناً له؛ ولكن شاء الحق سبحانه أن يجعله عدواً.
وساعة التقاط فرعون لموسى لم يكن فرعون يريد أن يكبر موسى ليصبح عدواً له؛ ولكنها مشيئة الله التي أرادتْ ذلك لتخطئة مَنْ ظنَّ نفسه قادراً على التحكُّم في الأحداث، بداية من ادعاء الألوهية، ومروراً بذبح الأطفال الذكور، ثم يأتي التقاطه لموسى ليكون قُرَّة عينٍ له؛ فينشأ موسى ويكبر ليكون عدواً له!!
ويتابع الحق سبحانه: {قُلْ تَمَتَّعُواْ فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النار} [إبراهيم: 30].
وهذا أمر من الله لمحمد أن يقول لهم: تمتعوا. وهذا أمر من الله. والعبادة أمر من الله، فهل إن تمتعوا يكونون قد أطاعوا الله؟
وهنا نقول: إن هذا أمر تهكميّ، ذلك أن الحق سبحانه قال من بعد ذلك: {فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النار} [إبراهيم: 30].
وعلى هذا نجد أن الأمر إما أنْ يُراد به إنفاذ طلب، وإما أنْ يُراد به الصَّد عن الطلب بأسلوب تهكميّ.
ونجد في قول الإمام علي- كرم الله وجهه- قولاً يشرح لنا هذا: (لا شرَّ في شر بعده الجنة، ولا خير في خير بعده النار).
فَمنْ يقول: إن التكاليف صعبة؛ عليه أن يتذكَّر أن بعدها الجنة، ومَنْ يرى المعاصي والكفر أمراً هيناً، عليه أن يعرف أن بعد ذلك مصيره إلى النار؛ فلا تعزل المقدمات عن الأسباب، ولا تعزل السبب عن المُسبِّب أو المقدمة عن النتائج.
فالأب الذي يجد ابنه يُلاحِق المذاكرة في الليل والنهار ليبني مستقبله قد يشفق عليه، ويسحب الكتاب من يده، ويأمره أن يستريح كل لا يقع في المرض؛ فيصبح كالمُنْبَتّ؛ لا أرضاً قطع، ولا ظهْراً أبقى، ولكن الولد يرغب في مواصلة الجهد ليصلَ إلى مكانة مُشرِّفة.
وهنا نجد أن كلاً من الأب والابن قد نظروا إلى الخير من زوايا مختلفة؛ ولذلك قد يكون اختلاف النظر إلى الأحداث وسيلة لالتقاءات الخير في الأحداث.
وهم حين يسمعون قول الحق سبحانه: {قُلْ تَمَتَّعُواْ فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النار} [إبراهيم: 30].
قد يستبطئون الأحداث؛ ويقول الواحد منهم إلى أن يأتي هذا المصير: قد نجد حلاً له.
ونقول: فليتذكر كُلّ إنسان أن الأمر المُعلَّق على غير ميعاد مُحدّد؛ قد يأتي فجأة؛ فَمَنْ يعيش في معصية إلى عمر التسعين؛ هل يظن أنه سيفِرّ من النار.
إنه وَاهِمٌ يخدع نفسه، ذلك أن إبهام الله ليمعاد الموت هو أعنفُ بيانٍ عنه. وما دام المصير إلى النار فلا مُتْعة في تلك الحياة.
ويقول الحق سبحانه من بعد ذلك: {قُل لِّعِبَادِيَ الذين آمَنُواْ...}.


{قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خِلَالٌ(31)}
و{قُلْ} من الله لرسول الله صلى الله عليه وسلم. وهل معنى هذا أن العباد الذين سيسمعون هذا الأمر سيقومون إلى الصلاة؛ لقد سمعه بعضهم ولم يَقُم إلى الصلاة.
إذن: مَنْ يُطع الأمر هو مَنْ حقَّق شَرْط الإيمان، وعلينا أن ننظر إلى مُكْتنفات كلمة (عبادي) فعباد الله هم الذين آمنوا، وحين يؤمنون فهم سيُعبِّرون عن هذا الإيمان بالطاعة. وهكذا نفهم معنى الألفاظ لتستقيم معانيها في أساليبها.
وكل خَلْق الله عبيد له؛ ذلك أن هناك أموراً قد أرادها الله قد طريقة خَلْقهم، لا قدرةَ لهم على مخالفتها؛ فهو سبحانه قد قهرهم في أشياء؛ وخيَّرهم في أشياء.
ولذلك أقول دائماً للمُتمرِّدين على الإيمان بالله؛ لقد أَلِفْتم التمرّد على الله؛ ولم يَأْبَ طَبْع واحد منكم على رفض التمرّد، فإنْ كنتم صادقين مع أنفسكم عليكم أنْ تتمردوا على التنفس؛ فهو أمر لا إرادي، أو تمردوا- إن استطعتُم- على المرض وميعاد الموت، ولن تستطيعوا ذلك أبداً.
ولكنهم ألِفُوا التمرّد على ما يمكنهم الاختيار فيه. ونسُوا أن الله يريد منهم أن يلتزموا بمنهجه؛ فإن اختار المؤمن أن يتبع منهجَ الله صار من (عباد الله)، وإنْ لم يخضع للمنهج فيما له فيه اختيار فهو من العبيد المقهورين على اتباع أوامر الله القهرية فقط.
وأنت حين تستقرئ كلمة (عباد) وكلمة (عبيد) في القرآن ستجد قول الحق سبحانه: {وَعِبَادُ الرحمن الذين يَمْشُونَ على الأرض هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الجَاهِلُونَ قَالُواْ سَلاَماً} [الفرقان: 63].
وتتعدد هنا صفات العباد الذين اختاروا اتباع منهج الله، وستجد كلمة العبيد وهي مُلْتصقة بمَنْ يتمردون على منهج الله؛ ولن تجد وَصْفاً لهم بأنهم (عباد) إلا في آية واحدة؛ حين يخاطب الحَقُّ جَلَّ وعلا الذين أضلوا الناس؛ فيقول لهم: {أَأَنتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلاَءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السبيل} [الفرقان: 17].
ونلحظ أن زمن هذا الخطاب هو في اليوم الآخر؛ حيث لا يوجد لأحد مُرْتاد مع الله؛ وحيث يسلب الحق سبحانه كل حق الاختيار من كل الكائنات المختارة.
وهكذا لا يمكن لأحد أن يطعنَ في أن كلمة (عباد) إنما تستخدم في وَصْف الذين اختاروا عبادة الله والالتزام بمنهجه في الحياة الدنيا؛ ذلك أنهم قد سَلَّموا زِمَام اختيارهم لله، وأطاعوه في أوامره ونواهيه.
ونلحظ أن قول الحق سبحانه: {قُل لِّعِبَادِيَ الذين آمَنُواْ يُقِيمُواْ الصلاة وَيُنْفِقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلانِيَةً..} [إبراهيم: 31].
هو أمر صادر من الحق سبحانه لرسوله صلى الله عليه وسلم، وأن المؤمنين في انتظار هذا الأمر لِيُنفّذوه فوراً، ذلك أن المؤمن يحب أن يُنفِّذ كل أمر يأتيه من الله.
وما دُمَتْ قد أبلغتهم يا محمد هذا الأمر فسيُنفّذونه على الفور؛ وقد جاء قوله(يقيموا) محذوفاً منه لام الأمر، تأكيداً على أنهم سيصعدون لتنفيذ الأمر فوْر سماعه.
وعادة نجد أن إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة في جَمْهرة آيات القرآن تأتيان متتابعتين مع بعضهما؛ لأن إقامة الصلاة تتطلب حركة، تتطلب طاقة وتأخذ وقوداً؛ والوقود يتطلب حركة ويأخذ زمناً، والزكاة تعني أن تُخرِج بعضاً من ثمرة الزمن، وبعضاً من أثر الحركة في الوقت.
ونجد الكسالى عن الصلاة يقولون: (إن العمل يأخذ كل الوقت والواحد منّا يحاول أن يجزع الصلوات إلى آخرالنهار، ويُؤدّيها جميعها قَضاءً). وهم لا يلتفتون إلى أن كُلَّ فرض حين يُؤدَّي في ميعاده لن يأخذ الوقت الذي يتصورون أنه وقت كبير.
وظاهر الأمر أن الصلاة تُقلّل من ثمرة العمل، لكن الحقيقة أنها تُعطي شحنة وطاقة تحفِز النفس على المزيد من إتقان العمل؛ وكيف يُقِبل المصلى على العملَ بنفس راضية؛ ذلك أنه بالصلاة قد وقف في حضرة مَنْ خلقه، ومَنْ رزقه، ومَنْ كفله.
ولذلك يخرج منها هادئاً مُطمئناً مُنتبهاً راضياً؛ وذلك كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «أرحنا بها يا بلال».
والصلاة في كل فرض؛ لن تأخذ أكثر من ربع الساعة بالوضوء، وإذا نسبت وقت الصلوات كلها إلى وقت العمل ستجد أنها تأخذ نسبة بسيطة وتعطي بأكثر مِمّا أخذت.
وكذلك الزكاة قدتأخذ منك بعضاً من ثمرة الوقت لتعطيه إلى غير القادر، ولكنها تمنحك أماناً اجتماعياً فوق ما تتخيّل.
ولذلك تجد الصلاة مُرتبطة بالزكاة في آيات القرآن ببعضهما، وإقامة الصلاة هي جِمَاع القيم كلها؛ وإيتاء الزكاة جِمَاع قيام الحركات العضلية كلها.
وتعالج الصلاة شيئاً، وتعالج الزكاة شيئاً آخر؛ وكلاهما تُصِلح مكونات ماهية الإنسان؛ الروح ومقوماتها، والجسد ومقوماته.
ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: «وجُعِلَتْ قُرة عيني في الصلاة».
وحين تنظر إلى الصلاة والزكاة تجد مصالح الحياة مجتمعة وتتفرع منهما؛ ذلك أن مصالح الحياة قد جمعها صلى الله عليه وسلم في الأركان الخمس للدين، وهي شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحِجّ البيت لِمَنِ استطاع إليه سبيلا.
وعرفنا من قَبْل كيف أخذت الصلاة كُل هذه الأركان مجتمعة؛ ففيها شهادة أن لا إله إلا الله، وفيها تضحية وتزكية ببعض الوقت؛ وفيها صَوْم عن كل ما يلتزم به وأنت صائم؛ وأنت تتوجه خلالها إلى قبلة بيت الله الحرام.
وهكذا نرى كيف ترتبط حركة الحياة والقيم المُصْلِحة لها بالصلاة والزكاة.
ويأمرنا الحق سبحانه في هذه الآية الكريمة بأن ننفق سراً وعلانية، وهكذا يشيع الحق الإنفاق في أمرين متقابلين؛ فالإنفاق سِراً لا يقع الإنسان فريسة المُبَاهاة؛ والإنفاق عَلناً كي يعطي غيره من القادرين أُسْوة حسنة، ولكي تمنع الآخرين من أنْ يتحدثوا عنك بلهجة فيها الحسد والغَيْرة مما أفاء الله عليك من خير.
ولذلك أقول: اجعل الصدقة التطوعية سِراً، واجعلها كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تعلم شمالك ما أعطتْ يمينك».
واجعل الزكاة علانية حتى يعلمَ الناس أنك تُؤدي ما عليك من حقوق الله وتكون بالنسبة لهم أُسْوة فعلية، وعِظَة عملية، واجعلوا من أركان الإسلام عِظَة سلُوكية، فنحن نرى بعضَاً من القرى والمدن لا يحجّ منها أحد، لأن القادرين فيها قد أَدَّوْا فريضة الحج.
ونجد أن القادر الذي يبني مسجداً؛ يعطي القادر غيره أُسْوة ليبني مسجداً آخر، وما أنْ يأتيَ رمضان حتى يصومَ القادرون عليه؛ ويعطوا أُسْوة لصغارهم، وتمنع الاستخذاء أمام الغير، وهكذا نعلن كل تكاليف الإسلام بوضوح أمام المجتمعات كلها.
ويقول الحق سبحانه: {قُل لِّعِبَادِيَ الذين آمَنُواْ يُقِيمُواْ الصلاة وَيُنْفِقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلانِيَةً مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خِلاَلٌ} [إبراهيم: 31].
ومن هنا نعلم أن هناك أعمالاً يمكن أن تؤجلها، إلا الغايات التي لا توجد فيها أعواض؛ فعليك أن تنتهز الفرصة وتُنفّذها على الفور؛ ذلك أن اليوم الآخر لن يكون فيه بَيْع أو شراء، ولن يستطيع أحد فيه أن يُزكّي أو يُصلّي؛ فليست هناك صداقة أو شفاعة تُغنيك عمّا كان يجب أن تقوم به في الحياة الدنيا.
والشفاعة فقط هي ما أذن له الرحمن بها، ولذلك يأتي الأمر هنا بسرعة القيام بالصلاة وإيتاء الزكاة والإنفاق سِراً وعلانية من قبل أن يأتيَ اليوم الذي لا بَيْع فيه ولا خِلاَل.
والبيع- كما نعلم- هو مُعَارضة متقابلة؛ فهناك مَنْ يدفع الثمن؛ وهناك مَنْ يأخذ السلعة. والخِلاَل هو المُخالّة؛ أي: الصديق الوفيّ الذي تلزمه ويلزمك.
والشعر يُبيّن معنى كلمة (خليل) حين يقول:
لَمّا التقيْنَا قرَّب الشَّوْقُ جَهْده *** خليلين ذَابَا لَوْعةً وعِتاَبا
كأنّ خليلاً في خِلاَل خَلِيلهِ *** تَسرَّبَ أثناءَ العِنَاقِ وغَابَا
وهذا يوضح أن المُخالة تعني أن يتخلل كُلٌّ منهما الآخر.
وفي الآخرة لن تستطيع أن تشتري جنة أو تفتدي نفسك من النار؛ ولا مُخالًّة هناك بحيث يفيض عليك صديق من حسناته. والحق سبحانه هو القائل: {الأخلاء يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ المتقين} [الزخرف: 67].
وبعض السطحيين يريدون أنْ يأخذوا على القرآن أنه أثبت الخُلَّة ونفاها؛ فهو القائل: {لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خِلاَلٌ} [إبراهيم: 31].
وهو القائل: {وَلاَ خُلَّةٌ...} [البقرة: 254].
ثم أثبت الخُلَّة للمتقين؛ الذين لا يُزيِّن أحدهما للآخر معصية.
وهؤلاء السطحيون لا يُحسِنون تدبُّر القرآن؛ ذلك أن الخُلَّة المَنْفية- أو الخِلاَل المنفية- في الآيات هي الخِلال التي تحضُّ على المعاصي؛ وهذه هي الخِلاَل السيئة.
ونعلم أن البيع في الحياة الدنيا يكون مقابلةَ سلعة بثمن؛ أما المُخالّة ففيها تكرُّم ممَّنْ يقدمها؛ وهو أمرٌ ظاهريّ؛ لأن في باطنه مُقايضة؛ فإذا قدّم لك أحدٌ جميلاً فهذا يقتضي أنْ تردّ له الجميل؛ أما التكرُّم المجرّد فهو الذي يكون بغير سابق أو لاحق.
وبعد أن بيَّن لنا الحق سبحانه السعداء وبيَّنَ الأشقياء، وضرب المَثل بالكلمة الطيبة، وضرب المثَل بالكلمة الخبيثة، يأتي من بعد ذلك بما يهيج في المؤمن فرحةً في نفسه؛ لأنه آمن بالله الذي صنع كل تلك النعم، ويذكر نعماً لا يشترك فيها مع الله أحد أبداً، فيقول: {الله الذي خَلَقَ السماوات والأرض...}.

حنين الاشواق
01-14-2012, 03:13 PM
{وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ(35)}
وحين يقول سبحانه(إذ) أي «اذكر» ويقول من بعد ذلك على لسان إبراهيم(رَبّ) ولم يَقُلْ (يا الله) ذلك أن إبراهيم كان يرفع دعاءه للخالق المربِّي، لذلك قال (ربّي) ولم يَقُل (يا الله) لأن عطاءَ الله تكليفٌ، وأمام التكليف هناك تخيير في أن تفعل ولا تفعل، مثل قوله سبحانه: {وَأَقِيمُواْ الصلاة...} [البقرة: 43].
أما عطاء الربوبية فهو ما يقيم حياة المُصلِّين وغير المُصلِّين.
ولم تَأْتِ مسألة إبراهيم هنا قَفْزاً؛ ولكِنّا نعلم أن القرآن قد نزل، وأول مَنْ سيسمعه هُم السادة من قريش؛ الذين تمتَّعوا بالمهابَة والسيادة على الجزيرة العربية؛ ولا يجرؤ أحد على التعرُّض لقوافلها في رِحْلَتَيْ الشتاء والصيف؛ لليمن والشام؛ وهم قد أخذوا المهابة من البيت الحرام.
ولذلك تكلَّم الحق سبحانه عن النعمة العامة لكل كائن موجود تنتظر أُذنه نداءالإسلام؛ وبعد ذلك يتكلم الحق سبحانه عن النعم التي تخصُّهم؛ لذلك قال: {رَبِّ اجعل هذا البلد آمِناً...} [إبراهيم: 35].
وقد وردتْ هذه الجملة في سورة البقرة بأسلوب آخر، وهو قول الحق سبحانه: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجعل هذا بَلَداً آمِناً...} [البقرة: 126].
والفرق بين (البلد) و(بلداً) يحتاج مِنّا أن نشرحه، ف (بلداً) تعني أن المكان كان قَفْراً؛ ودعا إبراهيم أن يصبحَ هذا المكانُ بلداً آمناً أي: أن يجد مَن يقيمون فيه، يُجدّدون حاجاتهم ومتُطلباتهم؛ وتكون وسائل الرزق فيه مُيسَّرة، ودعاؤه أيضاً شمل طلب الأمن، أي: ألا يوجد به ما يُهدّد طمأنينة الناس على يومهم العاديّ ووسائل رزقهم.
وأجاب الحق سبحانه دعاء إبراهيم فصار المكان بلداً؛ وجعله سبحانه آمناً أماناً عاماً؛ لأن الإنسان في أيّ بُقْعة من بقاع الأرض لا يتخذ مكاناً يجلس فيه ويقيم ويتوطّن إلا إذا ضمن لنفسه أسباب الأمن من مُقوّمات حياة ومن عدم تفزيعه تفزيعاً قوياً، وهذا الأمن ملطوب لكل إنسان في أيّ أرض.
وقد دعا إبراهيم عليه السلام هذا الدعاء وقت أنْ نزلَ هذا المكان، وكان وادياً غير ذي زرع؛ ولا مُقوّمات للحياة فيه؛ فكان دعاؤه هذا الذي جاء ذِكْره في سورة البقرة.
أما هنا فقد صار المكان بلداً؛ وكان الدعاء بالأمن لثاني مرة؛ هي دعوة لأمن خاص؛ ففي غير هذا المكان يمكن أن تُقطع شجرة؛ أو يصْطاد صَيْد؛ ولكن في هذا المكان هناك أَمْنٌ خاصّ جداً؛ أمنٌ للنبات ولكُلّ شيء يوجد فيه؛ فحتى الحيوان لا يُصَاد فيه؛ وحتى فاعل الجريمة لا يُمَسّ.
وهكذا اختلف الدعاء الأول بالأمن عن الدعاء الثاني؛ فالدعاء الأول: هو دعاء بالأمن العام؛ والدعاء الثاني: هو دعاء بالأمن الخاص؛ ذلك أن كل بلد يوجد قد يتحقق فيه الأمن العام؛ ولكن بلد البيت الحرام يتمتع بأمنٍ يشمل كل الكائنات.
ويقول بعض من السطحيين: ما دام الحق قد جعل البيت حَرَماً آمناً؛ فلماذا حدث ما حدث من سنوات من اعتداء على الناس في الحرم؟
ونقول: وهل كان أمْن الحرم أمراً (كونياً)، أم تكليفاً شرعياً؟ إنه تكليف شرعي عُرْضة أنْ يُطاع، وعُرضة أن يُعصي.
وقوله سبحانه: {وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً...} [آل عمران: 97].
يعني أن عليكم أيُّها المُتبِّعون لدين الله أنْ تُؤمِّنوا مَنْ يدخل الحرم أنهم في أمن وأمان، وهناك فارق بين الأمر التكليفيّ والأمر الكونيّ.
ويقول سبحانه على لسان إبراهيم: {واجنبني وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الأصنام} [إبراهيم: 35].
وهو قَوْل يحمل التنبؤ بما حدث في البيت الحرام على يد عمرو ابن لُحَيٍّ الذي أدخل عبادة الأصنام إلى الكعبة، وهو قَوْل يحمل تنبؤاً من إبراهيم عليه السلام.
ولقائل أنْ يسألَ: وكيف يدعو إبراهيم بذلك، وهو النبي المعصوم؟ كيف يطلب من الحق أن يُجنِّبه عبادة الأصنام؟
وأقول: وهل العصمة تمنع الإنسان أن يدعوَ ربه بدوام ما هو عليه؟ إننا نتلقى على سبيل المثال الأمر التكليفي منه سبحانه: {يَا أَيُّهَا الذين آمَنُواْ آمِنُواْ بالله وَرَسُولِهِ...} [النساء: 136].
وهو أَمرْ بالمداومة.
والحق سبحانه قد قال على لسان رسوله شعيب- عليه السلام-: {قَدِ افترينا عَلَى الله كَذِباً إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا الله مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَآ أَن نَّعُودَ فِيهَآ إِلاَّ أَن يَشَآءَ الله رَبُّنَا...} [الأعراف: 89].
وفي هذا القول ضراعة إلى المُنعِم علينا بنعمة الإيما؛ وفي هذا القول الكريم أيضاً إيضاحٌ لطلاقة قدرة الحق سبحانه.
ونلحظ أن الحق سبحانه قد قال هنا: {واجنبني وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الأصنام} [إبراهيم: 35].
والصنم غير الوثن، فالمُشكَّل بشكل إنسان هو الصنم؛ أما قطعة الحَجَرِ فقد والتي خَصَّها بعضٌ من أهل الجاهلية بالعبادة فهو الوثن.
وهناك مَنْ أراد أنْ يخرج بِنَا من هذا المأزِق؛ فقال: إن الكفر نوعان. شرك جَلي؛ وشرك خفيّ. والشرك الجليّ أن يعبدَ الإنسانُ أي كائن غير الله؛ والشرك الخفيّ أن يُقدّس الإنسانُ الوسائطَ بينه وبين الله، ويعطيها فوق ما تستحق، وينسب لها بعضاً من قدرات الله.
ودعاء إبراهيم عليه السلام أن يُجنِّبه وبنيه أنْ يعبدوا الأصنامَ يقتضي مِنّا أن نفهم معنى كلمة أبناء؛ ذلك أن إبراهيم قصد بالدعاء بنية الذين يَصِلُون إلى مرتبة الرسالة والنبوة مثله؛ ذلك أننا نعلم أن بعضاً من بنية قد عبدوا الأصنام والأوثان.
ومعنى كلمة (أبناء) أوضحه سبحانه في مواطن أخرى. ونبدأ من قوله: {وَإِذِ ابتلى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ...} [البقرة: 124]. {إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً..} [البقرة: 124].
أي: أن حيثية الإمامة هي أداء إبراهيم عليه السلام لكل مهمة بتمامها وبدِقّة وأمانة، وإذا كان هذا هو دستورَ الله في الخَلْق؛ فلابد لنا أن نتخلَّقَ بأخلاق الله.
وعلينا ألا نختار أيَّ إنسان لأية مهمة ليكون إمامها، إلا أنْ كان كُفْء لها ويُحسِن القيام بها.
ولنتذكر قوله صلى الله عليه وسلم: «إذا ضُيِّعَتِ الأمانةُ فانتظِر الساعة» قال السائل له عن موعد قيام الساعة: وكيف إضاعتها؟ قال: «إذا وُسِّد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة».
ذلك أن إسناد أيّ أمر لغير أهله إنما هو إفساد في الوجود، لأن الأصل في إسناد أيّ أمر لأي إنسان أن يكون بهدف أن يقومَ بالأمر كما يجب، فإذا كان الاختيار سيئاً؛ فسيكون هذا الإنسان أُسْوة في السوء؛ وتنتقل منه عدوى عدم الإتقان إلى غيره؛ ويتفشَّى السوء في المجتمع، أما إذا تولى الأمر مَنْ هو أَهْلٌ له فالموقف يختلف تماماً، فوضع الإنسان في مكانه اللائق، تعتدل به موازين العدل، وفي اعتدال الميزان استقرار للزمان والمكان والإنسان.
والمَثلُ على ذلك: أن الأولاد الذين تربَّوْا في السعودية؛ ورأََوْا أن يد السارق تُقطع؛ لم نجد منهم مَنْ يسرق؛ لأنهم تربَّوْا على أن السارق تُقطع يده، وفهموا أن الحق سبحانه لحظة أنْ يضعَ عقوبة قاسية؛ فليس هذا إذْنٌ بأن تقع الجريمة؛ بل ألاَّ تقعَ الجريمة.
وحين يتساءل مَنْ يدَّعُون التحضرُّ: كيف يقول القرآن: {لاَ إِكْرَاهَ فِي الدين...} [البقرة: 256].
وحين تجدون مَنْ يخرج عن الدين تقبضون عليه، وينادي البعض بإعدامه؟
ولهؤلاء أقول: وهل هذا الأمر يُحسب على الإسلام أم لصالح الإسلام؟
إنه لصالح الإسلام، ذلك أن مِثْل هذا الحرص على كرامة الدين يُهيِّب الناس أنْ يدخلوا الدين إلا بعد الإقناع المؤدي لليقين، واليقين هو الوصول إلى الدين الحقّ مصحوباً بدليل.
يقول الحق سبحانه: {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفاق وفي أَنفُسِهِمْ حتى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الحق...} [فصلت: 53].
بهذا نعلم أن دخول الإسلام سيُكلّفه حياته لو أراد أنْ يخرجَ منه، لأنه خرج من اليقين الذي دخله بالدليل.
وحين دعا إبراهيم- عليه السلام- ربه: {رَبِّ اجعل هذا البلد آمِناً واجنبني وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الأصنام} [إبراهيم: 35].
كان قد نجح في اختبار الله له، ونجح في أداء ما أُسنِد إليه تماماً؛ وشاء له الحق سبحانه أن يكون إماماً، واستشرف إبراهيم عليه السلام أن تكون الإمامة في ذريته؛ فقال: {وَمِن ذُرِّيَّتِي...} [البقرة: 124].
فجاءه الجواب من الحق سبحانه: {لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظالمين} [البقرة: 124].
وهكذا أوضح الحق سبحانه أن بُنوه الأنبياء ليست بنوة لَحْم ودم؛ بل بُنُوة اتباع واقتداء، وكلنا نعلم أن الحق سبحانه قد قال لنوح عن ابنه: {فَلاَ تَسْئَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ...} [هود: 46].
ونعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قال عن سلمان الذي كان فارسياً: (سلمان منا آل البيت).
وفي هذا تأكيد على أن بنُوّة الأنبياء هي بنُوّة اتباعٍ واقتداء.
ويستكمل الحق سبحانه دعاء إبراهيم عليه السلام؛ فنجد وَعْي خليل الرحمن بما تفعله عبادة الأصنام: {رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً...}.


{رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ(36)}
ونعلم أن الأصنام بذاتها لا تُضِل أحداً؛ ذلك أنها لا تتكلم ولا تتحدث إلى أحد؛ ولكن القائمين عليها بدعْوى أن لتلك الأصنام ألوهية؛ ولا تكليفَ يصدر منها، هم الذين يضلِون الناس ويتركونهم كما يقول المثل العامي «على حَلِّ شعورهم».
ويرحب بهذا الضلال كل مَنْ يكره أن يتبع تعاليم الخالق الواحد الأحد.
ويتابع سبحانه ما جاء على لسان إبراهيم عليه السلام من بعد الدعاء: {فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [إبراهيم: 36].
وهذه تعقيباتٌ في مسألة الغُفران والرحمة بعد العصيان؛ فمرّة يعقُبها الحق سبحانه: {العزيز الحكيم} [المائدة: 118].
ومرّة يعقبها: {الغفور الرحيم} [الزمر: 53].
ذلك أن الجرائم تختلف درجاتها، فهناك جريمة الخيانة العُظْمى أو جريمة القِمّة؛ مثل مَنْ يدّعي أنه إلهٌ؛ أو مَنْ يقول عنه أتباعه أنه إله دون أنْ يقولَ لهم هو ذلك.
وقد قال عيسى- عليه السلام- بسؤال الحق له: {أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ اتخذوني وَأُمِّيَ إلهين مِن دُونِ الله...} [المائدة: 116].
فيأتي قَوْل عيسى عليه السلام: {إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ الغيوب} [المائدة: 116].
ويتابع عيسى عليه السلام القَوْل: {إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ العزيز الحكيم} [المائدة: 118].
وهكذا تأتي العزّة والمغفرة بعد ذِكْر العذاب؛ فهناك مواقف تُناسِبها العِزّة والحكمة؛ ومواقف تناسبها المغفرة والرحمة، ولا أحدَ بقادرٍ على أنْ يردّ لله أَمْرَ مغفرةٍ أو رحمةٍ؛ لأنه عزيزٌ وحكيمٌ.
وقوله الحق: {رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِّنَ الناس...} [إبراهيم: 36].
يعكس صفات مناسبة للمُقدِّمات الصدرية في الآية، وتؤكد لنا أن القرآن من حكيم خبير، وأن الله هو الذي أوحى إلى عبده القرآن: {سَنُقْرِئُكَ فَلاَ تنسى} [الأعلى: 6].
فما الذي يجعله يقول في الآية: {الغفور الرحيم} [الزمر: 53].
وفي آية أخرى: {العزيز الحكيم} [المائدة: 118].
مع أن السياق المعنويّ قد يُوحي من الظاهر بعكس ذلك؟
وما الذي يجعله سبحانه يقول في آية بعد أن يُذكّرنا أن نِعَم الله لا تُعَدّ ولا تُحْصَى: {إِنَّ الإنسان لَظَلُومٌ كَفَّارٌ} [إبراهيم: 34].
ويقول في آية أخرى بعد أنْ يُذكِّرنا بِنعَمِ الله بنفس اللفظ: {إِنَّ الله لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ} [النحل: 18].
وكذلك قوله: {كَلاَّ إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ فَمَن شَآءَ ذَكَرَهُ} [عبس: 11-12].
ثم قوله في آية أخرى: {إِنَّ هذه تَذْكِرَةٌ فَمَن شَآءَ اتخذ إلى رَبِّهِ سَبِيلاً} [الإنسان: 29].
كل ذلك يعطينا حكمة التنزيل، فإن كل آية لها حكمة، وتنزيلها يحمل أسرار المراد.
وكُلُّ ذلك يأتي تصديقاً لقوله الحق: {سَنُقْرِئُكَ فَلاَ تنسى} [الأعلى: 6].
لأن الحق سبحانه وتعالى شاء أنْ يُنزِل القرآن على رسوله، ويضمن أنه سيحفظه؛ ولن ينسى موقع أن مكان آيةٍ من الآيات أبداً، ذلك أن الذي قال: {سَنُقْرِئُكَ فَلاَ تنسى} [الأعلى: 6].
هو الحق الخالق القادر.
ويقول الحق سبحانه من بعد ذلك ما قاله إبراهيم عليه السلام: {رَّبَّنَآ إني أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي...}.


{رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ(37)}
ونفهم من التعبير في هذه الآية أن المكانَ لا يصلح للزرع؛ ذلك أنه أرض صَخْرية؛ وليست أرضاً يمكن استصلاحها؛ وقَوْل إبراهيم- عليه السلام-: {غَيْرِ ذِي زَرْعٍ} [إبراهيم: 37].
أي: لا أملَ في زراعتها بمجهود إنساني، وليس أمام تواجد الرزق في هذا المكان إلا العطاء الرباني. ولم يكُنْ اختيار المكان نتيجة بَحْثٍ من إبراهيم عليه السلام؛ ولكن بتكليف إلهيّ، فسبحانه هو الذي أمر بإقامة القواعد من البيت المحرم، وهو مكان من اختيار الله، وليس من اختيار إبراهيم عليه السلام.
وحين يقول إبراهيم عليه السلام: {عِندَ بَيْتِكَ المحرم..} [إبراهيم: 37].
فهذا يعني حيثية الرِّضا بالتكليف، وما دام هذا أمراً تكليفياً يجب أنْ يُنفّذ بعشق؛ فهو يأخذ ثوابين اثنين؛ ثواب حُبّ التكليف؛ وثواب القيام بالتكليف.
ولنا المثل في حكاية الرجل الذي قابله الأصمعي عند البيت الحرام، وكان يقول: (اللهم، إنِّي قد عصيتُك، ولكني أحب مَنْ يطيعك، فاجعلها قُرْبة لي). فقال الأصمعي ما يعني أن الله لابد أن يغفر لهذا الرجل لِحُسْن مسألته، ذلك أنه رجل قد فرح بحب التكليف ولو لم يَقُمْ به هو؛ بل يقوم به غيره وهذا يُسعده.
فالتكليف عندما يقوم به أيُّ إنسان؛ فذلك أمر في صالح كل البشر، وكلنا نقول حين نُصلي ونقرأ الفاتحة: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} [الفاتحة: 5].
أي: أن كُلاً مِنّا يحشر نفسه في زمرة العابدين؛ لعل الله يتقبّل من واحد فندخل كلنا في الصفقة؛ ولذلك أقول لِمَنْ يرتكب معصية: عليك ألا تغضب، لأن هناك مَنْ يطيع الله؛ بل افرح به؛ لأن فرحَك بالمطيع لله؛ دليلٌ على أنك تحبُّ التكليف، رغم أنك لا تقدر على نفسك، وفي هذا الحُبِّ كرامة لك.
وقد قال إبراهيم- عليه السلام- عن الوادي الذي أمره الحق سبحانه أن يقيم فيه القواعد للبيت الحرام أنه وادٍ غير ذي زَرْع، وقد جاء هو إلى هذا المكان لُينفّذ تكليف الحق سبحانه له؛ لدرجة أن زوجته هاجر عندما علمت أن الاستقرار في هذا المكان هو بتكليف من الله قالت: (إذنْ لن يضيعنا).
ويُقدِّم إبراهيم عليه السلام حيثيات الإقامة في هذا المكان، وأسباب إقامته للقواعد كما أراد الله، فيقول: {فاجعل أَفْئِدَةً مِّنَ الناس تهوي إِلَيْهِمْ...} [إبراهيم: 37].
أي: أن مجيء الناس إلى هذا المكان لن يكون شهوة سياحة؛ ولكن إقامة عبادة؛ فما دام المكان قد أُقيم فيه بيت لله باختيار الله؛ فلابد أن يُعبدَ فيه سبحانه.
وهكذا تتضح تماماً حيثيات أَخْذ الأمر بالوجود في مكان ليس فيه من أسباب الحياة ولا مُقوِّماتها شيء؛ ولكن الحق سبحانه قد أمر بذلك؛ فلابد للمقيم للصلاة من إقامة حياة؛ والمُقوِّم الأول للحياة هو المَأْكل والمَشْرب.
ولذلك دعا إبراهيم عليه السلام: {فاجعل أَفْئِدَةً مِّنَ الناس تهوي إِلَيْهِمْ..} [إبراهيم: 37].
والأفئدة جمع (فؤاد)، وتُطلَق على الطائفة؛ وعلاقة الفؤاد بالحجيج علاقةٌ قوية؛ لأن الهوى في الحجيج هوى قلوب؛ لا جيوب. وأنت تجد الإنسان يجمع النقود الخاصة بالحج، وقد يحرم نفسه من أشياء كثيرة من أجل أن يحظَى بأداء تلك الفريضة.
وكلمة (هوى) مُكوّنة من مادة (الهاء) و(الواو) و(الياء) ولها معَانٍ متعددة، فلك أنْ تقول (هَوَى) أو تقول (هَوِى)، فإنْ قلت: (هَوَى يهوي) من السقوط من مكان عالٍ؛ دون إرادة منه في السقوط؛ وكأنه مقهورٌ عليه، وإنْ قُلْت: (هَوِى يهويَ) فهذا يعني أحبّ، وهو نتيجة لِميْل القلوب، لا مَيْل القوالب.
وهنا يقول الحق سبحانه: {فاجعل أَفْئِدَةً مِّنَ الناس تهوي إِلَيْهِمْ وارزقهم مِّنَ الثمرات لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ} [إبراهيم: 37].
فهم في مكان لا يمكن زراعته. وقد تقبَّل الحق سبحانه دعاءَ إبراهيم عليه السلام؛ ووجدنا التطبيق العملي في قوله الحق: {أَوَلَمْ نُمَكِّن لَّهُمْ حَرَماً آمِناً يجبى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِّزْقاً مِّن لَّدُنَّا...} [القصص: 57].
وذلك قبل أن يوجد بترول أو غير ذلك من الثروات. وكلمة (يُجْبي) تدل على أن الأمرَ في هذا الرزق القادم من الله كأنه جِبَاية؛ وأمْر مفروض، فتكون في الطائف مثلاً وفيها من الرمان والعنب وتحاول أنْ تشتريه؛ فتجد مَنْ يقول لك: إن هذا يخصُّ مكة المكرمة؛ إنْ أردتَ منه فاذهب إلى هناك.
وتجد في كلمة: {ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ...} [القصص: 57].
ما يثير العجب والدهشة؛ فأنت في مكة تجد بالفعل ثمرات كل شيء من زراعة أو صناعة؛ ففيها ثمرات الفصول الأربعة قادمة من كل البلاد؛ نتيجة أن كل البيئات تُصدِّر بعضاً من إنتاجها إلى مكة.
وفي عصرنا الحالي نجد ثمرات النموِّ الحضاري والعقول المُفكِّرة وهي معروضة في سوق مكة أو جدة؛ بل تجد ثمرات التخطيط والإمكانات وقد تمَّتْ ترجمتُها إلى واقع ملموس في كل أَوْجُه الحياة هناك.
وقديماً عندما كُنّا نؤدي فريضة الحج؛ كُنّا نأخذ معنا إبرة الخيط؛ ومِلْح الطعام؛ ومن بعد أن توحَّدتْ غالبية أرض الجزيرة تحت حكم آل سعود واكتشاف البترول؛ صِرْنا نذهب إلى هناك، ونأتي بكماليات الحياة.
ولنلحظ قَوْل الحق سبحانه: {فاجعل أَفْئِدَةً مِّنَ الناس تهوي إِلَيْهِمْ...} [إبراهيم: 37].
فكلمة (من) تُوضِّح أن مَنْ تهوي قلوبهم إلى المكان هم قطعةٌ من أفئدة الناس، وقال بعَضٌ من العارفين بالله: لو أن النصَّ قد جاء (فاجعل أفئدة الناس تهوي إليهم) لوجدنا أبناء الديانات الأخرى قد دخلت أيضاً في الحجيج، ومن رحمة الله سبحانه أن جاء النص: {فاجعل أَفْئِدَةً مِّنَ الناس تهوي إِلَيْهِمْ...} [إبراهيم: 37].
فاقتصر الحجيج على المسلمين.
ويقول سبحانه من بعد ذلك مُستْكمِلاً ما جاء على لسان إبراهيم عليه السلام: {رَبَّنَآ إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي...}.

حنين الاشواق
01-14-2012, 03:14 PM
{رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ وَمَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ(38)}
وبعد أن اطمأن إبراهيم- عليه السلام- أن لهذا البلد أمناً عاماً وأمناً خاصاً، واطمأن على مُقوِّمات الحياة؛ وأن كل شيء من عند الله، بعد كل ذلك عاودته المسألة التي كانت تشغله، وهي مسألة تَرْكه لهاجر وإسماعيل في هذا المكان.
وبعض المُفسِّرين قالوا: إن الضمير بالجمع في قوله تعالى: {تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ...} [إبراهيم: 38].
مقصود به ما يُكِنّه من الحُبِّ لهاجر وإسماعيل، وما يُعلِنه من الجفاء الذي يُظهِره لهما أمام سارة، وكأن المعاني النفسية عاودتْه لحظةَ أنْ بدأ في سلام الوداع لهاجر وابنه إسماعيل.
ونقول: لقد كانت هاجر هي الأخرى تعيش موقفاً صَعْباً؛ ذلك أنها قد وُجدت في مكان ليس فيه زَرْع ولا ماء، وكأنها كتمتْ نوازعها البشرية طوال تلك الفترة وصبرتْ.
ولحظة أنْ جاء إبراهيم لِيُودّعها؛ قالت له: أين تتركنا؟ وهل تتركنا مِنْ رأيك أم من أمر ربَك؟ فقال لها إبراهيم عليه السلام: بل هو من أَمر الله. فقالت: إذن لن يضيعنا.
وتأكدت هاجر من أن ما قالتْه قد تحقَّق؛ ولن يُضيّعهما الله، وحين يعطش وحيدها تجري بين الصفا والمروة بَحْثاً عن مياه؛ ولكنها ترى تفجُّر الماء تحت قَدَمَيْ ابنها في المكان الذي تركته فيه؛ ويبدأ بئر زمزم في عطاء البشر منذ ذلك التاريخ مياهه التي لا تنضب.
وهكذا يتحقق قول إبراهيم- عليه السلام- في أن الله يعلم ما نُسِرّ وما نُعلِن؛ ذلك أن كل مُعْلَن لا يكون إلا بعد أن كل مَخْفياً، وعلى الرغم منَ أن الله غَيْبٌ إلا أن صِلَته لا تقتصر على الغيب؛ بل تشمل العالم الظاهر والباطن؛ وكل مظروف في السماء أو الأرض معلومٌ لله؛ لأن ما تعتبره أنت غيباً في ذهنك هو معلوم لله من قبل أن يتحرك ذهنك إليه.
ولذلك يقول سبحانه في موقع آخر: {وَإِن تَجْهَرْ بالقول فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السر وَأَخْفَى} [طه: 7].
فإذا كان السِّر هو ما أسررْت به لغيرك؛ وخرج منك لأنك استأمنتَ الغير على ألاّ يقوله، أو كان السر ما أخفيتَه أنت في نفسك؛ فالله هو العَالِم به في الحالتين.
ويقول القرآن: {وَإِذْ أَسَرَّ النبي إلى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثاً..} [التحريم: 3].
أي: أن السِّرَّ كان عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وانتقل إلى بعضٍ من أزواجه. والأَخْفى هو ما قبل أنْ تبوحَ بالسرِّ؛ وكتمته ولم تَبُحْ به.
وسبحانه يعلم هذا السر وما تخفيه. أي: السر الذي لم تَقًُلْه لأحد، بل ويعلمه قبل أنْ يكونَ سرِاً.
ويقول سبحانه ما قاله إبراهيم- عليه السلام- ضراعةَ وحَمْداً له سبحانه: {الحمد للَّهِ الذي وَهَبَ لِي...}.


{الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ(39)}
والوَهْب هو عطاء من مُعْطٍ بلا مقبال منك. وكل الذرية هِبَة، لو لم تكُنْ هبة لكانت رتيبة بين الزوجين؛ وأينما يوجد زوجان توجد. ولذلك قال الله: {يَهَبُ لِمَن يَشَآءُ إِنَاثاً وَيَهَبُ لِمَن يَشَآءُ الذكور أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَاناً وَإِنَاثاً وَيَجْعَلُ مَن يَشَآءُ عَقِيماً إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ} [الشورى: 49-50].
والدليل على أن الذرية هِبَة هو ما شاءه سبحانه مع زكريا عليه السلام؛ وقد طلب من الله سبحانه أن يرزقه بغلام يرثه، على الرغم من أنه قد بلغَ من الكِبَر عِتياً وزوجه عاقر؛ وقد تعجَّب زكريا من ذلك؛ لأنه أنجب بقوة، وفي هذا المعنى يقول الحق سبحانه: {كذلك قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً} [مريم: 9].
وهذا يعني ألاَّ يدخل زكريا في الأسباب والمُسبِّبات والقوانين.
وقد سمَّى الحق سبحانه الذرية هِبةً؛ لذلك يجب أن نشكرَ الله لأن الذي يقبل هبة الله في إنجاب الإناث برضاً يرزقه الله بشباب يتزوجون البنات؛ ويصبحون أطوعَ له من أبنائه، رغم أنه لم يَشْقَ في تربيتهم.
وكل منّا يرى ذلك في مُحِِيطة، فمَنْ أنجب الأولاد الذكور يظل يرقب: هل يتزوج ابنه بمَنْ تخطفه وتجعله أطوعَ لغيره منه.
وإنْ وهب لك الذكور فعلى العين والرأس أيضاً، وعليك أنْ تطلبَ من الله أن يكون ابنك من الذرية الصالحة، وإنْ وهبكَ ذُكْرنا وإناثاً فلكَ أن تشكره، وتطلب من الله أن يُعينك على تربيتهم.
وعلى مَنْ جعله الحق سبحانه عقيماً أن يشكرَ ربه؛ لأن العُقْم أيضاً هبةٌ منه سبحانه؛ فقد رأينا الابن الذي يقتل أباه وأمه، ورأينا البنت التي تجحد أباها وأمها.
وإنْ قَبِل العاقر هبةَ الله في ذلك؛ وأعلن لنفسه ولمَنْ حوله هذا القبول؛ فالحق سبحانه وتعالى يجعل نظرة الناس كلهم له نظرة أبناء لأب، ويجعل كل مَنْ يراه من شباب يقول له: (أتريد شيئاً يا عم فلان؟) ويخدمه الجميع بمحبة صافية.
وإبراهيم- عليه السلام- قد قال للحق سبحانه: {الحمد للَّهِ الذي وَهَبَ لِي عَلَى الكبر...} [إبراهيم: 39].
والشكر على الهبة- كما عرفنا- يُشكِّل عطاءَ الذرية في الشباب، أو في الشيخوخة.
وأهل التفسير يقولون في: {عَلَى الكبر...} [إبراهيم: 39].
أنه يشكر الحق سبحانه على وَهْبه إسماعيل وإسحق مع أنه كبير. ولماذا يستعمل الحق سبحانه(على) وهي من ثلاثة حروف؛ بدلاً من (مع) ولم يَقُل (الحمد لله الذي وهب لي مع الكِبَر إسماعيل وإسحاق).
وأقول: إن(على) تفيد الاستعلاء، فالكِبَر ضَعْف، ولكن إرادة الله أقوى من الضعف؛ ولو قال (مع الكبر) فالمعيّة هنا لا تقتضي قوة، أما قوله: {وَهَبَ لِي عَلَى الكبر...} [إبراهيم: 39].
فيجعل قدرة الله في العطاء فوق الشيخوخة.
وحين يقول إبراهيم عليه السلام ذلك؛ فهو يشكر الله على استجابته لما قاله من قبل: {إني أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ} [إبراهيم: 37].
أي: أنه دعا أن تكونَ له ذرية.
ويُذيِّل الحق سبحانه الآية بقول إبراهيم: {إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدعآء} [إبراهيم: 39].
ويقول سبحانه من بعد ذلك: {رَبِّ اجعلني...}.


{رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ(40)}
وكأن إبراهيم عليه السلام حين دعا بأمر إقامة الصلاة فهذه قضية تخصُّ منهج الله، وهو يسأل الله أنْ يقبلَ، ذلك أن الطلبات الأخرى قد طلبها ببشريته؛ وقد يكون ما طلبه شراً أو خيراً؛ ولكن الطلب بأن يجعله مُقيماً للصلاة هو وذريته هو طَلَبٌ بالخير.
ويتتابع الدعاء في قول الحق سبحانه على لسان إبراهيم عليه السلام: {رَبَّنَا اغفر لِي وَلِوَالِدَيَّ...}.

حنين الاشواق
01-14-2012, 03:14 PM
{رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ(41)}
ونعلم أن طلب الغُفْران من المعصوم إيذانٌ بطلاقة قدرة الله في الكون، ذلك أن اختيار الحق سبحانه للرسول أيّ رسول لا يُعفى الرسول المختار من الحذَر وطلب المغفرة، وها هو سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إني استغفر الله في اليوم والليلة مائة مرة».
وطلب المغفرة من الله إن لم يَكُنْ لذنب كما في حال الرُّسل المعصومين فهو من الأدب مع الله؛ لأن الخالق سبحانه وتعالى يستحق منّا فوق ما كلَّفنا به، فإذا لم نقدر على المندوبات وعلى التطوّعات؛ فَلْندعُ الحق سبحانه أنْ يغفرَ لنا.
ومِنّا مَنْ لا يقدر على الفرائض؛ فليْدعُ الله أنْ يغفرَ له؛ ولذلك يُقال: (حسنات الأبرار سيئات المقربين).
والحق سبحانه يقول لرسوله صلى الله عليه وسلم: {لِّيَغْفِرَ لَكَ الله مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطاً مُّسْتَقِيماً} [الفتح: 2].
ولذلك أقول دائماً؛ إن الحق- جَلَّ جلالُ ذاته- يستحق أن يُعبَد بفوق ما كَلّف به؛ فإذا اقتصرنا على أداء ما كَلَّف به سبحانه؛ فكأننا لم نُؤدِّ كامل الشُّكْر؛ وما بالنا إذا كان مثل هذا الحال هو سلوك الرُّسل، خصوصاً وأن الحق سبحانه قد زادهم عن خَلْقه اصطفاءً؛ أفلا يزيدنه شُكْراً وطلباً للمغفرة؟
ونلحظ أن طلب المغفرة هنا قد شمل الوالدين والمؤمنين: {رَبَّنَا اغفر لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الحساب} [إبراهيم: 41].
والإنسان كما نعلم له وجود أصليّ من آدم عليه السلام؛ وله وجود مباشر من أبويْه، وما دام الإنسان قد جاء إلى الدنيا بسبب من والديْه، وصار مؤمناً فهو يدعو لهما بالمغفرة، أو: أن الأُسْوة كانت منهما؛ لذلك يدعو لهما بالمغفرة.
والإنسان يدعو للمؤمنين بالمغفرة؛ لأنهم كانوا صُحْبة له وقُدْوة، وتواصى معهم وتواصوا معه بالحق والصبر، وكأن إبراهيم- عليه السلام- صاحب الدعاء يدعو للمؤمنين من ذريته؛ وتلك دعوة وشفاعة منه لمَنْ آمن؛ ويرجو الحقَّ سبحانه أنْ يتقبلها.
ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: {وَلاَ تَحْسَبَنَّ الله غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ...}.


{وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ(42)}
وبعد أن ذكر الحق سبحانه وأوضح النِّعم العامة على الكون، والنعم الخاصة التي أنعم بها سبحانه على مَنْ توطَّنوا مكة، ومن نسلهم مَنْ وقف ضد رسول الله صلى الله عليه وسلم موقف العَنَت، بعد ذلك جاء الحق سبحانه بهذه الآية تعزيةً وتسرية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: {وَلاَ تَحْسَبَنَّ الله غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظالمون..} [إبراهيم: 42].
وأرضية التصوير التي سبقتْها تشتمل بداية التكوين لهذا المكان الذي وُجدوا به، وكيفية مَجِيء النعم إلى مَنْ توطنوا هذا المكان؛ حيث تجيء إليهم الثمرات، ونعمة المَهَابة لهم حيث يعصف سبحانه بمَنْ يُعاديهم كأبرهة ومَنْ معه. {فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّأْكُولٍ} [الفيل: 5].
حيث يقول سبحانه من بعد هذه الآية مباشرة: {لإِيلاَفِ قُرَيْشٍ إِيلاَفِهِمْ رِحْلَةَ الشتآء والصيف فَلْيَعْبُدُواْ رَبَّ هذا البيت الذي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ} [قريش: 1-4].
ورغم ذلك وقفوا من دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم موقف الإنكار والتعنُّت والتصدِّي والجُحُود، وحاولوا الاستعانة بكل خُصوم الإسلام؛ ليحاربوا هذا الدين؛ ولذلك يوضح الحق سبحانه هنا تسريةً عن الرسول الكريم.
{وَلاَ تَحْسَبَنَّ الله غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظالمون...} [إبراهيم: 42].
لماذا؟ وتأتي الإجابة في النصف الثاني من الآية: {إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأبصار} [إبراهيم: 42].
وقوله الحق: {وَلاَ تَحْسَبَنَّ...} [إبراهيم: 42].
أي: لا تظننّ؛ فَحَسِب هنا ليست من الحساب والعدّ، ولكنها من (حسب) (يحسب)؛ وقوله الحق الذي يوضح هذه المسألة: {أَحَسِبَ الناس أَن يتركوا أَن يقولوا آمَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ} [العنكبوت: 2].
أي: أَظَنَّ الناس. فحسِب يحسَب ليستْ- إذن- من العَدِّ؛ ولكن من الظنِّ. والحُسْبان نسبة كلامية غير مَجْزوم بها؛ ولكنها راجحة.
والغفلة التي ينفيها سبحانه عنه؛ هي السَّهْو عن أمر لعدم اليقظة أو الانتباه، وطبعاً وبداهةً فهذا أَمْرٌ لا يكون منه سبحانه، فهو القيُّوم الذي لا تأخذه سِنَة ولا نوم.
وهنا يخاطب الحق سبحانه رسوله والمؤمنين معه تبعاً؛ فحين يخاطب الحق سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم فهو يخاطب في نفس الوقت كلَّ مَنْ آمن به.
ولكن، أكانَ الرسول يظنُّ الله غافلاً؟
لا، ولنلحظْ أن الله حين يُوجِّه بشيء فقد يحمل التوجيه أمراً يُنفّذه الإنسانُ فعلاً؛ ويطلب الله منه الاستدامة على هذا الفعل.
والمَثلُ: حين تقول لواحد لا يشرب الخمر (لا تشرب الخمر) وهو لا يشرب الخمر؛ فأنت تطالبه بقولك هذا أنْ يستمرَّ في عدم شُرْب الخمر، أي: استمِرَ على ما أنت عليه، فعلاً في الأَمْر، أو امتناعاً في النهي.
وهل يمكن أن تأتي الغفلة لله؟
وأقول: حين ترى صفةً توجد في البشر؛ ولا توجد في الحق سبحانه فعليك أنْ تُفسِّر الأمر بالكمالات التي لله.
والذي يفعل ظلماً سيتلقى عقاباً عليه، وحين يتأخر العقاب يتساءل الذين رَأَوْا فِعْل الظُّلم فهم يتهامسون: تُرَى هل تَمَّ نسيان الظلم الذي ارتكبه فلان؟ هل هناك غفلة في الأمر؟
وهم في تساؤلاتهم هذه يريدون أن يعلنوا موقفهم من مرتكب الذنب؛ وضرورة عقابه، وعلى ذلك نفهم كلمة: {غَافِلاً} [إبراهيم: 42].
في هذه الآية بمعنى (مُؤجِّل العقوبة).
ولمن يتساءلون عليهم أنْ يتذكَّروا قول الحق سبحانه: {وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ} [الأعراف: 183].
وعلى ذلك فليست هناك غفلة؛ ولكن هناك تأجيل للعقوبة لهؤلاء الظالمين؛ ذلك أن الظلم يعني أَخْذ حقٍّ من صاحبه وإعطاءه للغير؛ أو أَخْذه للنفس.
وإذا كان الظلم في أمر عقديّ فهو الشرك؛ وهو الجريمة العظمى، وإنْ ظلمتَ في أمر كبيرة من الكبائر فهذا هو الفِسْق، وإنْ ظلمتَ في صغيرة فهو الظلم.
ولذلك نجد الحق سبحانه وتعالى يُورِد كل حكم يناسب الثلاثة مواقف؛ فيقول عن الذي تغاضى عن تجريم الشرك: {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ الله فأولئك هُمُ الكافرون} [المائدة: 44].
ويقول عن تجريم كبيرة من الكبائر: {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ الله فأولئك هُمُ الفاسقون} [المائدة: 47].
ويقول عمَّنْ يتغاضى عن تجريم صغيرة بما يناسبها من أحكام الدين: {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أنزَلَ الله فأولئك هُمُ الظالمون} [المائدة: 45].
وإذا وُجِد محكوم عليه، وهو واحد- بأحكام متعددة فالحكم مُتوقِّف على ما حكم به.
وحين ننظر في مسألة الظلم هذه نجد أن الظالم يقتضي مظلوماً، فإنْ كان الظُّلْم- والعياذ بالله- هو ظُلم القمة وهو الشرك بالله، فهذا الظلم ينقسم- عند العلماء- إلى ثلاثة أنواع:
النوع الأول: وهو إنكار وجود الله وألوهيته دون أن ينسبها لأحد آخر؛ وهذا هو الإلحاد، وهو ظُلْم في واجب وجوديته سبحانه.
والنوع الثاني: هو الاعتراف بألوهية الله وإشراك آخرين معه في الألوهية، وهذا الشرك ظُلْم للحق في ذاتية وواحدية تفرُّده.
والنوع الثالث: هو القول بأن الله مُكوَّن من أجزاء؛ وهذا ظُلْم لله في أحدية ذاته.
ويقول بعض العارفين: أن أول حقٍّ في الوجود هو وجوده سبحانه.
ومنهم الشاعر الذي قال:
وأوَّل حَقٍّ في الوُجُودِ وُجُوده *** وكُلُّ حُقوقِ الكوْنِ منه استمدَّت
فَلا هُو جَمْعٌ كمَا قال مُشْركٌ *** ولاَ هُوَ في الأَجْزاءِ يَا حُسْن مِلَّتي
والظلم الذي ورد في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها، وظلم القمة؛ ظُلْم في العقيدة الإلهية، ومعه ظلم آخر هو ظلم الرسول صلى الله عليه وسلم. ويُلخِّص الشاعر ظُلْمهم للرسول صلى الله عليه وسلم فيقول:
لَقَّبتمُوه أَمِيناً في صِغَرٍ *** وَمَا الأمينُ على قَوْل بِمُتَّهمِ
وهم قد سَمَّوا الرسول من قبل الرسالة بالأمين؛ وبعد الرسالة نزعوا منه هذا الوصف، وكانوا يَصِفونه قبل الرسالة بالصادق، ولم يقولوا عنه مرة قبل الرسالة إنه ساحر، ولم يتهموه من قبل الرسالة بالجنون.
فكيف كانت له أوصاف الصِّدق والنطق بالحق؛ والتحدث عن رجاحة قدرته في الحكم؟
كيف كانت له تلك الصفات قبل الرسالة؛ وتنزعونها منه من بعد الرسالة؟
إن هذا هو ظلم سلْب الكمال، فقد كان للرسول صلى الله عليه وسلم كما قبل أن يُرسلً؛ فظلمتموه بعد الرسالة وأنكرتم عليه هذا الكمال؛ وهو ظُلْم مُزْدَوج.
فقد سبق أن اعترفتم له من قبل الرسالة بالأمانة؛ ولكن من بعد الرسالة أنكرتُم أمانته، وكان صادقاً من قبل الرسالة؛ وقلتم إنه غَيْر صادق بعدها.
ولم تكن له صفة نَقْص قبل الرسالة؛ فجئتم أنتم له بصفة نقص؛ كقولكم: ساحر؛ كاهن؛ مجنون، وفي هذا ظُلْم للرسول صلى الله عليه وسلم.
وهذا أيضاً ظُلْم للمجتمع الذي تعيشون فيه، لأن مَنْ يريد استمرار الاستبداد بكلمة الكفر، ويريد أن يستمرَّ في السيادة والاستغلال والتحكُّم في الغير؛ فكُلُّ ذلك ظُلْم للمجتمع؛ وفوق ذلك ظُلْم للنفس؛ لأن مَنْ يفعل ذلك قد يأخذ متعة بسيطة؛ ويحرم نفسه من متعة كبيرة؛ هي متعة الحياة في ظِلِّ منهج الله، وينطبق عليه قول الحق الرحمن: {وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ ولكن كانوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} [النحل: 118].
وفوق ظُلْم النفس وظُلْم المجتمع هناك ظُلْم يمارسه هذا النوع من البشر ضد الكون كُلِّه فيما دون الإنسان؛ من جماد وحيوان ونبات؛ ذلك أن الإنسانَ حين لا يكون على منهج خالقه؛ والكون كله مُسخَّر لمنهج الخالق؛ فلن يرعى الإنسانُ ذلك في تعامله مع الكون، وسبحانه القائل: {وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ...} [الإسراء: 44].
حين يُسبِّح كل ما في الكون يشذّ عن ذلك إنسانٌ لا يتبع منهج الله؛ فالكون كله يكرهه، وبذلك يظلم الإنسان نفسه ويظلم الكون أيضاً.
وهكذا عرفنا ظُلْم القمة في إنكار الألوهية؛ أو الشرك به سبحانه، أو توهُّم أنه من أجزاء، وظُلْم نزع الكمال عن الرسول؛ وهو الواسطة التي جاءت بخبر الإيمان؛ وظُلْم الكون كله؛ لأن الكون بكل أجناسه مُسبّح لله.
وقول الحق سبحانه: {وَلاَ تَحْسَبَنَّ الله غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظالمون..} [إبراهيم: 42].
نجد فيه كلمة (يعمل). ونعلم أن هناك فَرْقاً بين (عمل) و(فعل)، والفعل هو أحداث كل الجوارح، ما عدا اللسان الذي يقال عن حدثه (القول).
فكل الجوارح يأخذ الحادث منها اسماً؛ وحدث اللسان يأخذ اسماً بمفرده، ذلك أن الذي يكب الناس على مناخرهم في النار إنما هو حصائد ألسنتهم، والفعل والقول يجمعهما كلمة (عمل).
وهنا في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها يقول الحق سبحانه (يعمل)، ذلك أن المشركين الذين استقبلوا القرآن كانوا يُرْجِفون بالإسلام وبالرسول صلى الله عليه وسلم بالكلام؛ وكل الأفعال التي قاموا بها نشأتْ عن طريق تحريض بالكلام.
وتأتي هذه الآية الكريمة التي يُؤكّد فيها سبحانه أنه يُمكّن لهم الذنوب ليُمكِّن لهم العقوبة أيضاً؛ ويأتي قوله: {إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأبصار} [إبراهيم: 42].
ونعلم أنه قد حدثتْ لهم بعضٌ من الظواهر التي تؤكد قُرْب انتصار رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فَقُتل صناديدهم وبعض من سادتهم في بدر؛ وأُسِر كبراؤهم، وهكذا شاء سبحانه أنْ يأتيَ بالوعد أو الوعيد؛ جاء بالأمر الذي يدخل فيه كُلُّ السامعين، وهو عذابُ الآخرة؛ إنْ ظَلُّوا على الشرك ومقاومة الرسالة.
و: {تَشْخَصُ فِيهِ الأبصار} [إبراهيم: 42].
يعني: تفتح بصورة لا يتقلَّب بها يَمْنة أو يَسْرة من هَوْل ما يرى؛ وقد يكون عدم تقلُّب البصر من فَرْط جمال ما يرى، والذي يُفرِّق بينهما سِيَال خاص بخَلْق الله فقط؛ وهو سبحانه الذي يخلقه.
فحين ترى إنساناً مذعوراً من فَرْط الخوف؛ فسِحْنته تتشكَّل بشكل هذا الخوف، أما مَنْ نظر إلى شيء جميل وشَخصتْ عيناه له، يصبح لملامحه انسجامُ ارتواء النظر إلى الجمال؛ ولذلك يقول الشاعر:
جَمَالُ الذي أهْواهُ قَيْد نَاظِريّ *** فَلْيتَ لِشَيءٍ غيرِهِ يتحوَّلِ
ويمكننا أن نفرق بين الخائف وبين المستمتع بملامح الوجه المنبسطة أو المذعورة.
ونعلم أن البصر ابن للمرائي؛ فساعة تتعدّد المرائي؛ فالبصر يتنقّل بينها؛ ولذلك فالشخص المُبصر مُشتَّت المرائي دائماً؛ ويتنقل ذِهْنه من هنا إلى هناك.
أما مَنْ أنعم الله عليهم بنعمة حَجْز أبصارهم- المكفوفين- فلا تشغله المرائي؛ ولذلك نجدهم أحرصَ الناس على العِلْم؛ فأذهانهم غير مشغولة بأيِّ شيء آخر، وبُؤْرة شعور كل منهم تستقبل عن طريق الأذن ما يثبت فيها.
ولذلك يقال عنهم (صناديق العلم) إنْ أرادوا أنْ يعلموا؛ فلا أحدَ من الذين يتعلمون منهم يكون فارغاً أبداً؛ مثَلة مِثل الصندوق الذي لا يفرغ.
ولا أحد يتحكم في العاطفة الناشئة عن الغرائز إلا الله؛ فأنت لا تقول لنفسك (أغضب) أو (أضحك)؛ لأنه هو سبحانه الذي يملك ذلك، وهو القائل: {وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وأبكى} [النجم: 43].
والضحك والبكاء مسائل قَسْرية لا دخلَ لأحد بها.
ونجد الحق سبحانه يقول في موقع آخر من القرآن: {وَإِذْ زَاغَتِ الأبصار...} [الأحزاب: 10].
فمرّة تشخص الأبصار، ويستولي الرعب على أصحابها فلا يتحولون عن المشهد المُرْعِب، ومرَّة تزوغ الأبصار لعله يبحث لنفسه عن مَنْفذ أو مَهْربٍ فلا يجد.
ويكمل الحق سبحانه صورة هؤلاء الذين تزوغ أبصارهم، فيقول: {مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ...}.


{مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ(43)}
والمُهْطع هو مَنْ يظهر من فَرْط تسرُّعه وكأن رقبته قد طالتْ، لأن المُهْطع هو مَنْ فيه طُول، وكأن الجزاء بالعذاب يجذب المَجْزيّ ليقربه، فَيُدفَع في شدة وجفوة إلى العذاب، يقول الحق سبحانه: {يُدَعُّونَ إلى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا} [الطور: 13].
وكأن هناك مَنْ يدفعهم دَفْعاً إلى مصيرهم المُؤْلم. وهم: {مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ...} [إبراهيم: 43].
أي: رافعين رءوسهم من فَرْط الدهشة لِهوْل العذاب الذي ينتظرهم.
وفي موقع آخر يُصوِّرهم الحق سبحانه: {إِنَّا جَعَلْنَا في أَعْناقِهِمْ أَغْلاَلاً فَهِىَ إِلَى الأذقان فَهُم مُّقْمَحُونَ} [يس: 8].
وهكذا تكون صورتهم مُفْزعة من فََرْط المهانة؛ فبصَرُ الواحد منهم شَاخِص إلى العذاب مُنجذب إليه بسرعة لا يتحكَّم فيها؛ ورأسه مرفوعة من فَرْط الهَوْل؛ ومُقْمَح بالأغلال.
ولا يستطيع الواحد منهم أن تجفل جفونه، وكأنها مفتوحةٌ رَغْماً عنه؛ وفؤاده هواء بمعنى: أنْ لا شيءَ قادرٌ على أن يدخله.
ونحن نلحظُ ذلك حين نضع زجاجة فارغة في قلب الماء؛ فتخرج فقاقيع الهواء مقابلَ دخولِ الماء من فُوهتها.
ونعلم أن قَلْب المؤمن يكون ممتلئاً بالإيمان؛ أما الكافر المُلْحد فهو في مثل تلك اللحظة يستعرض تاريخه مع الله ومع الدين؛ فلا يجد فيها شيئاً يُطمئِن، وهكذا يكتشف أن فؤاده خَالٍ فارغ؛ لا يطمئن به إلى ما يُواجه به لحظة الحساب.
ونجد بعضاً مِمَّنْ شاهدوا لحظات احتضار غيرهم يقولون عن احتضار المؤمن (كان مُشرِق الوجه متلألئ الملامح). أما ما يقولونه عن لحظة احتضار الكافر؛ فهم يحكُونَ عن بشاعة ملامحه في تلك اللحظة.
والسبب في هذا أن الأنسان في مثل هذه اللحظات يستعرض تاريخه مع الله، ويرى شريط عمله كله؛ فمَنْ قضي حياته وهو يُرضِى الله؛ لابد أن يشعر بالراحة، ومَنْ قضى حياته وهو كافر مُلْحد فلابد أن يشعرَ بالمصير المُرْعب الذي ينتظره.
ولذلك يقول الحق سبحانه: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ إلى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ تَظُنُّ أَن يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ} [القيامة: 22-25].
ويقول الحق سبحانه من بعد ذلك: {وَأَنذِرِ الناس يَوْمَ يَأْتِيهِمُ العذاب...}.

حنين الاشواق
01-14-2012, 03:44 PM
{وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ(44)}
وهذا خطاب من الحق سبحانه لرسوله صلى الله عليه وسلم أن يُنذِرهم بضرورة الاستعداد ليوم القيامة، وأنه قادمٌ لا محالةَ.
وكلمة (يوم) هي ظَرْف زمان، وظرف الزمان لابد له من حَدثٍ يقع فيه، ويوم القيامة ليس محلَّ إنذار أو تبشير؛ لأن الإنذار أو البشارة لابد أنْ يكونا في وقت التكليف في الحياة الدنيا.
وهكذا يكون المُنْذر به هو تخويفهم مِمّا يحدث لهم في هذا اليوم، فما سوف يحدث لهم هو العذاب؛ وكأنه قنبلة موقوتة ما إنْ يأتي يوم القيامة حتى تنفجر في وجوههم.
وهنا يقول أهل ظُلْم القمة في العقيدة، وظُلْم الرسالة بمقاومتها؛ وظلم الكون المُسبِّح لله: {رَبَّنَآ أَخِّرْنَآ إلى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُّجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرسل...} [إبراهيم: 44].
وهم يطلبون تأجيل العذاب لِمُهْلة بسيطة، يُثبتون فيها أنهم سيُجيبون الدعوة ويطيعون الرسول، وهم يطلبون بذلك تأجيل قيامتهم.
فيكون الجواب من الحق سبحانه: {أَوَلَمْ تكونوا أَقْسَمْتُمْ مِّن قَبْلُ مَا لَكُمْ مِّن زَوَالٍ} [إبراهيم: 44].
فأنتم قد سبق وأنْ أقسمتُم بأن الله لا يبعث مَنْ يموت؛ وقد قال الحق سبحانه ما قلتم: {وَأَقْسَمُواْ بالله جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لاَ يَبْعَثُ الله مَن يَمُوتُ...} [النحل: 38].
وساعة ترى كلمة (بلى) بعد نَدْب، فهذا يعني تكذيب ما جاء قبلها، وهم في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها ظَنُّوا أنهم لن يُبعثُوا، وظنُّوا أنهم بعد الموت سيصيرون تراباً؛ وهم الذين قالوا: {إِنْ هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدنيا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ} [المؤمنون: 37].
وهكذا أكَّدوا لأنفسهم أنه لا بَعْث من بَعْد الحياة، ومن بعد البعث سنسمع من كل فرد فيهم: {ياليتني كُنتُ تُرَاباً} [النبأ: 40].
أو: أنهم ظَنُّوا أن الذين أنعَم الله عليهم في الدنيا؛ لن يحرمهم في الآخرة، كما أورد الحق سبحانه هذا المَثل، في قوله تعالى: {واضرب لهُمْ مَّثَلاً رَّجُلَيْنِ جَعَلْنَا لأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعاً كِلْتَا الجنتين آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِم مِّنْهُ شَيْئاً وَفَجَّرْنَا خِلالَهُمَا نَهَراً وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنكَ مَالاً وَأَعَزُّ نَفَراً وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ قَالَ ما أَظُنُّ أَن تَبِيدَ هذه أَبَداً وَمَآ أَظُنُّ الساعة قَائِمَةً وَلَئِن رُّدِدتُّ إلى رَبِّي لأَجِدَنَّ خَيْراً مِّنْهَا مُنْقَلَباً} [الكهف: 32-36].
والذي يقول ذلك فَهِم أنه سوف يموت؛ لكنه توهّم أن جنته تلك ستظل على ما هي عليه، وأنكر قيام الساعة، وقال: (حتى لو قامت الساعة، ورُدِدتُ إلى الله فسأجد أفضل من جنتي تلك).
وهو يدعي ذلك وهو لم يُقدّم إيماناً بالله ليجده في الآخرة، فهو إذن مِمَّنْ أنكروا الزوال أي البعث من جديد، ووقع في دائرة مَنْ لم يُصدّقوا البعث، وسبق أنْ قال الحق سبحانه ما أورده على ألسنتهم: {أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الأرض أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ} [السجدة: 10].
والذين أنكروا البعث يُورِد الحق سبحانه لنا حواراً بينه وبينهم، فيقول سبحانه وتعالى: {قَالُواْ رَبَّنَآ أَمَتَّنَا اثنتين وَأَحْيَيْتَنَا اثنتين فاعترفنا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إلى خُرُوجٍ مِّن سَبِيلٍ} [غافر: 11].
فيرد الحق سبحانه عليهم: {ذَلِكُم بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ الله وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِن يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُواْ فالحكم للَّهِ العلي الكبير} [غافر: 12].
وفي موقع آخر من القرآن نجد حواراً واستجداءً منهم لله؛ يقولون: {رَبَّنَآ أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فارجعنا نَعْمَلْ صَالِحاً...} [السجدة: 12].
ويأتي رَدُّ الحق سبحانه عليهم: {فَذُوقُواْ بِمَا نَسِيتُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هاذآ إِنَّا نَسِينَاكُمْ...} [السجدة: 14].
وفي موقع ثالث يقول الواحد منهم عند الموت: {رَبِّ ارجعون لعلي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ} [المؤمنون: 99-100].
فيأتي ردّ الحق سبحانه: {كَلاَّ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَآئِلُهَا...} [المؤمنون: 100].
وبعد دخولهم النار يقولون: {رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ} [المؤمنون: 107].
فيقول الحق سبحانه: {قَالَ اخسئوا فِيهَا وَلاَ تُكَلِّمُونِ} [المؤمنون: 108].
وفي موضع آخر يقولون عند اصطراخهم في النار: {رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً غَيْرَ الذي كُنَّا نَعْمَلُ...} [فاطر: 37].
فيأتي الرد من الحق سبحانه: {أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وَجَآءَكُمُ النذير فَذُوقُواْ فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِن نَّصِيرٍ} [فاطر: 37].
ونلحظ أنهم في كل آيات التوسُّل لله كي يعودوا إلى الحياة الدنيا يقولون(ربنا)، وتناسَوْا أنهم مأخوذون إلى العذاب بمخالفات الألوهية؛ ذلك أن الربوبية عطاؤها كان لكم في الدنيا، ولم ينقصكم الحق سبحانه شيئاً على الرغم من كفركم.
هكذا يكون حال هؤلاء الذين أقسموا أن الحق سبحانه لن يبعثهم، وأنكروا يوم القيامة، وأنه لا زوال لهم. أي: لا بَعْث ولا نشور.
ويتابع الحق سبحانه القول الكريم: {وَسَكَنتُمْ فِي مساكن الذين...}.


{وَسَكَنْتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الْأَمْثَالَ(45)}
والسكون هو الاطمئنان إلى الشيء من عدم الإزعاج، ونعلم أن المرأة في الزواج تعتبر سكناً، والبيت سكن، وهنا يتكلم الحق سبحانه عن مساكن الذين ظلموا أنفسهم، أي: أنكم لم تتعِظُوا بالسوابق التي ما كان يجب أن تغيبَ عنكم، فأنتم تمرون في رحلات الصيف والشتاء على مدائن صالح، وترون آثار الذين ظلموا أنفسهم بالكفر والشرك، وتمرون على الأحقاف؛ وترون ماذا حاقَ بقوم عاد.
وكُلُّ أولئك نالوا العقاب من الله، سواء بالريح الصرصر العاتية، أو: أنه سبحانه قد أرسل عليهم حاصباً من السماء، أو: أنزل عليهم الصيحة؛ أو: أغرقهم كآل فرعون، وأخذ كل قوم من هؤلاء بذنبه.
وصدق الله وَعْده في عذاب الدنيا؛ فلماذا لم تأخذوا عِبْرة من ذلك؛ وأنه سبحانه وتعالى صادق حين تحدَّث عن عذاب الآخرة؟
وهنا قال الحق سبحانه: {وَسَكَنتُمْ فِي مساكن الذين ظلموا أَنفُسَهُمْ...} [إبراهيم: 45].
وفي آية أخرى يقول سبحانه: {وَإِنَّكُمْ لَّتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُّصْبِحِينَ وبالليل أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} [الصافات: 137-138].
أي: أنكم تمرُّون على تلك الأماكن التي أقامها بعضٌ مِمَّنْ سبقُوكم وظلمُوا أنفسهم بالكفر؛ وأنزل الحق سبحانه عليهم العقَاب؛ ولذلك يقول في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها: {وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الأمثال} [إبراهيم: 45].
نعم؛ فحين تمشي في أرض قوم عاد، وترى حضارتهم التي قال عنها الحق سبحانه: {إِرَمَ ذَاتِ العماد التي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي البلاد} [الفجر: 7-8].
وهي حضارة لم نكشف آثارها بعد؛ وما زالت في المطمورات وكل مطمور في الأرض بفعل من غضب السماء؛ تضع السماءُ ميعادَ كشف له ليتعظَ أهلُ الأرض؛ ويحدث هذا الكشف كلما زاد الإلحاد واستشرى.
قد حدث أن اكتشفنا حضارة ثمود، وكذلك حضارة الفراعنة؛ وهي الحضارة التي سبقتْ كل الحضارات في العلوم والتكنولوجيا، ورغم ذلك لم يعرف أصحاب تلك الحضارة أن يصونوها من الاندثار الذي شاءه الله.
وما زال الناس يتساءلون: لماذا لم يترك المصريون القدماء خبرتهم الحضارية مكتوبة ومُسجّلة في خطوات يمكن أن تفهمها البشرية من بعد ذلك؟
{وَسَكَنتُمْ فِي مساكن الذين ظلموا أَنفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الأمثال} [إبراهيم: 45].
أي: أن الحق سبحانه يوضح هنا أن مشيئته في إنزال العقاب قد وَضْحَتْ أمام الذين عاصروا رسالة محمد صلى الله عليه وسلم في مساكن الأقوام التي سبقتهم؛ وكفروا برسالات الرسل، وسبق أن ضرب لهم الحق سبحانه الأمثال بهؤلاء القوم وبما حدث لهم. والمَثلُ إنما يضربه الله لِيُقرِّب بالشيء الحسي ما يُقرِّب إلى الأذهانِ الشيءَ المعنوي.
ويستمر قوله الحق من بعد ذلك: {وَقَدْ مَكَرُواْ مَكْرَهُمْ وَعِندَ...}.


{وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ(46)}
والمكْر- كما نعلم- هو تبييت الكَيْد في خفاء مستورٍ، ومأخوذ من الشجرة المكمورة؛ أي: الشجرة التي تُداري نفسها. ونحن نرى في البساتين الكبيرة شجرةً في حجم الإصْبع؛ وهي مجدولةٌ على شجرة أخرى كبيرة. ولا تستطيع أن تتعرف على ورقة منها، أو أن تنسب تلك الورقة إلى مكان خروجها، ومن أيّ فرع في الشجرة المُلتْفة إلا إذا نزعتها من حول الشجرة التي تلتفّ من حولها.
ومَنْ يُبيِّت إنما يشهد على نفسه بالجُبْن والضعف وعدم القدرة على المواجهة، قد يصلح أن تُبيِّت مُسَاوٍ لك؛ أما أنْ تُبّيت على الحي القيوم الذي لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء؛ فتلك هي الخيبة بعينها.
ولذلك يقول الحق سبحانه في مواجهة ذلك: {والله خَيْرُ الماكرين} [آل عمران: 54].
وقال عن مَكْر هؤلاء: {وَلاَ يَحِيقُ المكر السيىء إِلاَّ بِأَهْلِهِ} [فاطر: 43].
ونعلم أننا حين ننسب صِفةً لله فنحن نأخذها في إطار: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ...} [الشورى: 11].
وعادة ما ننسب كل فعل من الله للخير، كقوله سبحانه: {وَأَنتَ خَيْرُ الوارثين} [الأنبياء: 89]. {والله خَيْرُ الماكرين} [آل عمران: 54].
وقوله هنا: {وَقَدْ مَكَرُواْ مَكْرَهُمْ....} [إبراهيم: 46].
أي: قاموا بالتبييت المناسب لحيلتهم ولتفكيرهم ولقوتهم؛ فإذا ما قابل الحق سبحانه ذلك؛ فلسوف يقابله بما يناسب قوته وقدرته المطلقة، وهو سبحانه قد علم أزلاً بما سوف يمكرونه، وتركهم في مَكْرهم.
فانتصارات الرسالات مرهونٌ بقوة المُرْسَل وأتباعه، وهم يقابلون خصوماً هُم حيثية وجود الرسالة؛ ذلك أنهم قد ملأوا الأرض بالفساد، ويريدون الحفاظ على الفساد الذي يحفظ لهم السلطة؛ والدين الجديد سيدُكُّ سيادتهم ويُزلزلها؛ لذلك لابد ألاّ يدخروا وُسْعاً في محاولة الكَيْد والإيقاع بالرسول للقضاء على الرسالة.
وقد حاولوا ذلك بالمواجهة وقت أنْ كان الإسلام في بدايته؛ فأخذوا الضعاف الذين أسلموا، وبدءوا في تعذيبهم؛ ولم يرجع واحد من هؤلاء عن الدين.
وحاولوا بالحرب؛ فنصر الله الذين آمنوا، ولم يَيْق لهم إلا المَكْر، وسبحانه القائل: {وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الذين كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ الله والله خَيْرُ الماكرين} [الأنفال: 30].
وحاولوا أن يفسدوا خليّة الإيمان الأولى، وهي محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم، وظنُّوا أنهم إنْ نجحوا في ذلك؛ فسوف تنفضُّ الرسالة. فحاولوا أن يشتروه بالمال؛ فلم يُفلحوا.
وحاولوا أن يشتروه بالسيادة والمُلْك فلم ينجحوا، وقال قولته المشهورة: (والله لو وضعوا الشمس في يميني، والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر حتى يُظهره الله، أو أهلك فيه، ما تركته).
ثم قرروا أن يقتلوه وأن يُوزَّعوا دمه بين القبائل، وأخذوا من كل قبيلة شاباً ليضربوا محمداً صلى الله عليه وسلم بالسيوف ضَرْبة رجلٍ واحد ولكنه صلى الله عليه وسلم يهاجر في تلك الليلة، وهكذا لم ينجح تبييتهم: {وَقَدْ مَكَرُواْ مَكْرَهُمْ وَعِندَ الله مَكْرُهُمْ...} [إبراهيم: 46].
أي: أنه سبحانه يعلم مكرهم.
ويتابع سبحانه قائلاً: {وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الجبال} [إبراهيم: 46].
أي: اطمئن يا محمد، فلو كان مكرهم يُزيل الجبال فلنْ ينالوك، والجبال كانت أشد الكائنات بالنسبة للعرب، فلو كان مكرهم شديداً تزول به الجبال، فلن يُفلِحوا معك يا رسول الله، ولن يُزَحزِحوك عن هدفك ومهتمك.
والحق سبحانه يقول: {لَوْ أَنزَلْنَا هذا القرآن على جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مُّتَصَدِّعاً مِّنْ خَشْيَةِ الله وَتِلْكَ الأمثال نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} [الحشر: 21].
وإذا كان مكرهم يبلغ من الشدة ما تزول به الجبال؛ فاعلم أن الله أشدُّ بَأْساً.
ويُقدِّم سبحانه من بعد ذلك حيَثْية عدم فاعلية مَكْرهم، فيقول: {فَلاَ تَحْسَبَنَّ الله مُخْلِفَ...}

حنين الاشواق
01-14-2012, 03:45 PM
{فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ(47)}
ولو كان لمكرهم مفعولٌ أو فائدة لَمَا قال الحق سبحانه أن وعده لرسله لن يُخْلفَ، ولكن مكرَهم فاسدٌ من أوله وبلا مفعول، وسبحانه هو القائل: {وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا المرسلين إِنَّهُمْ لَهُمُ المنصورون وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الغالبون} [الصافات: 171-173].
إذن: فوَعْد الله لرُسله لا يمكن أن يُخْلفَ.
الوعود في القرآن كثيرة؛ فهناك وَعْد الشيطان لأوليائه، مصداقاً لقول الحق سبحانه: {الشيطان يَعِدُكُمُ الفقر وَيَأْمُرُكُم بالفحشآء والله يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ وَفَضْلاً...} [البقرة: 168].
وهناك وَعْد من الله للمؤمنين: {وَعَدَ الله الذين آمَنُواْ مِنْكُمْ وَعَمِلُواْ الصالحات لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأرض...} [النور: 55].
فإذا كان الحق سبحانه لا يُخلِف وَعْده لأتباع الرسول؛ أيُخلِف وَعْده للرسول؟
طبعاً لا؛ لأن الوعد على إطلاقه من الله؛ مُوفّى؛ فكيف إذا كان للرسل وللمؤمنين؟ يقول الحق سبحانه وتعالى: {إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا والذين آمَنُواْ فِي الحياة الدنيا وَيَوْمَ يَقُومُ الأشهاد} [غافر: 51] والنصر يقتضي هزيمة المقابل، ويحتاج النصر لصفة تناسبه؛ والصفة المناسبة هي صدوره من عزيز لا يُغلب؛ والهزيمة لمن كفروا تحتاج إلى صفة؛ والصفة المناسبة هي تحقُّق الهزيمة بأمر مُنتقِم جبّار.
ويقول الحق سبحانه من بعد ذلك: {يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرض...}.


{يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ(48)}
ويُخوّفهم الحق سبحانه هنا من يوم القيامة بعد أن صَوّر لهم ما سوف يدّعونه، بأن يُؤخّر الحق حسابهم، وأنْ يُعيدهم إلى الدنيا لعلّهم يعملون عملاً صالحاً، ويجيبوا دعوة الرسل.
ويوضح سبحانه هنا أن الكون الذي خلقه الله سبحانه، وطرأ عليه آدم وخلفتْه من بعده ذريته؛ قد أعدّه سبحانه وسخَّره في خدمة آدم وذريته من بعده؛ وهم يعيشون في الكون بأسباب الله المَمْدودة في أنفسهم، والمنثورة في هذا الكون لكل مخلوق لله، مؤمنهم وكافرهم؛ فمَنْ يأخذ بتلك الأسباب هو مَنْ يغلب.
وسبحانه القائل: {مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخرة نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدنيا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الآخرة مِن نَّصِيبٍ} [الشورى: 20].
وهكذا شاء الله أنْ يهبَ عباده الارتقاء في الدنيا بالأسباب؛ أما حياة الآخرة فنحن نحياها بالمُسبِّب؛ وبمجرد أنْ تخطرَ على بال المؤمن رغبةٌ في شيء يجده قد تحقق.
وهذا أمر لا يحتاج إلى أرض قَدَّر فيها الحق أقواتها، وجعل فيها رواسي؛ وأنزل عليها من السماء ماء، إذن: فهي أرض غير الأرض؛ وسماء غير السماء؛ لأن الأرض التي نعرفها هي أرض أسباب؛ والسماء التي نعرفها هي سماء أسباب.
وفي جنة الآخرة لا أسبابَ هناك؛ لذلك لابد أن تتبدَّل الأرض، وكذلك السماء.
وقوله الحق: {وَبَرَزُواْ للَّهِ الواحد الْقَهَّارِ} [إبراهيم: 48].
فهو يعني ألا يكون هناك أحد معهم سوِى ربهم؛ لأن البروز هو الخروج والمواجهة.
والمؤمن وجد ربه إيماناً بالغيب في دُنْياه؛ وهو مؤمن به وبكل ما جاء عنه؛ كقيام الساعة، ووجود الجنة والنار.
وكلنا يذكر حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أحد أصحابه حين سأله الرسول صلى الله عليه وسلم: كيف أصبحتَ؟ فقال الصحابي: أصبحت مؤمناً بالله حقاً. فقال له الرسول صلى الله عليه وسلم: لكل حق حقيقة؛ فما حقيقة إيمانك؟ قال الصحابي: عزفتْ نفسي عن الدنيا، فاستوى عندي ذهبها ومدرها- أي: تساوي الذهب بالتراب- وكأني أنظر إلى أهل الجنة في الجنة يُنعَّمون، وإلى أهل النار في النار يُعذَّبون. فقال له الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم: «عرفت فالزم».
هذا هو حال المؤمن، أما الكافر فحاله مختلف. فهو يبرز ليجد الله الذي أنكره، وهي مواجهة لم يَكُنْ ينتظرها، ولذلك قال الحق سبحانه في وَصْف ذاته هنا: {الواحد الْقَهَّارِ} [إبراهيم: 48].
وليس هناك إله آخر سيقول له(اتركهم من أجل خاطري) .
وفي آية أخرى يقول عن هؤلاء: {والذين كفروا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظمآن مَآءً حتى إِذَا جَآءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ الله عِندَهُ...} [النور: 39].
أي: أنه يُفَاجأ بمثل هذا الموقف الذي لم يستعِد له.
وقوله: {الواحد الْقَهَّارِ} [إبراهيم: 48].
أي: القادر على قَهْر المخلوق على غير مُرَاده.
ويقول سبحانه من بعد ذلك: {وَتَرَى المجرمين....}.


{وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ(49)}
والمجرم هو مَن ارتكب ذنباً، وهو هنا مَنِ ارتكب ذنب القِمّة. وهو الكفر بالله، ومن بعده َمَنِ ارتكب الذنوب اليت دون الكفر، وتراهم جميعاً مجموعين بعضهم مع بعض في «قرنٍ» وهو الحبل أو الَيْد الذي يُقيَّدون.
والأصفاد جمع صَفَد، وهو القيد الذي يوضع في الرِّجلْ؛ وهو مِثْل الخُلْخال؛ وهناك مَنْ يُقيّدون في الأصفاد أي: من أرجلهم، وهناك مَنْ يقيد بالأغلال. أي: أنْ توضع أيديهم في سلاسل، وتُعلَّق تلك السلاسل في رقابهم أيضاً.
وكلُّ أصحاب جريمة مُعيّنة يجمعهم رباط واحد، ذلك أن أهل كل جريمة تجمعهم أثناء الحياة الدنيا- في الغالب- مودَّة وتعاطف، أما هنا فسنجدهم متنافرين، وعلى عداء، ويلعن كل منهم الآخر؛ وكل منهم يناكف الآخر ويضايقه، ويعلن ضِيقة منه، مصداقاً لقول الحق سبحانه: {الأخلاء يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ المتقين} [الزخرف: 67].
وكأن كلاً منهم يُعذّب الآخر من قبل أنْ يذوقوا جميعاً العذاب الكبير.
ولذلك نجدهم يقولون: {رَبَّنَآ أَرِنَا الذين أَضَلاَّنَا مِنَ الجن والإنس نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ الأسفلين} [فصلت: 29].
ويقولون: {رَبَّنَآ إِنَّآ أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَآءَنَا فَأَضَلُّونَا السبيلا رَبَّنَآ آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ العذاب والعنهم لَعْناً كَبِيراً} [الأحزاب: 67-68].
ويستكمل الحق سبحانه صورة هؤلاء المُذْنبين: فيقول: {سَرَابِيلُهُم مِّن قَطِرَانٍ....}.

حنين الاشواق
01-14-2012, 03:45 PM
{سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ(50)}
و(السرابيل) جمع (سِرْبال) وهو ما يلي الجسد، وهو ما نسميه في عصرنا (قميص). وإذا كان السِّرْبال من قطران؛ فهو أسود لاذع نتن الرائحة سريع الاشتعال؛ وتلك صفات القطران، وهو شيء يسيل من بعض أشجار البادية وتلك صفاته، وهم يستخدمونه لعلاج الجمال من الجرب.
وعادة يضرب الحق سبحانه المثل من الصورة القريبة إلى الذِّهن من التي يراها العربي في بيئته.
ويقول عنهم الحق سبحانه أيضاً: {وتغشى وُجُوهَهُمُ النار} [إبراهيم: 50].
والإنسان إذا ما تعرّض لأمر يصيبه بالعطب، فأوَّل ما يحاول الحفاظ عليه هو وجهه، ذلك أن الوجه هو أشرف شيء في الإنسان، فما بالنا حين تغشى وجوه الكفرةِ النارُ؟ إن مجرد تخيُّل ذلك أمر مؤلم.
وسبحانه يقول في آية اخرى: {أَفَمَن يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سواء العذاب يَوْمَ القيامة...} [الزمر: 24].
وكأن الواحد منهم من فَرْط شدة العذاب يحاول أن يدفَع هذا العذاب بوجهه، وهكذا نجد أحاسيسَ شتَّى لهذا العذاب؛ وهو مُؤلِم أشدّ الألم.
ويقول سبحانه في موقع آخر: {يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النار على وُجُوهِهِمْ...} [القمر: 48].
وهكذا نجد أن الوجه قد جاء في أكثر من صورة؛ من صور هذا العذاب.
ويقول سبحانه من بعد ذلك: {لِيَجْزِيَ الله كُلَّ نَفْسٍ...}.


{لِيَجْزِيَ اللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ(51)}
والجزاء أمر طبيعي في الوجود، وحتى الذين لا يؤمنون بإله؛ ويديرون حركة حياتهم بتقنينات من عندهم قد وضعوا لأنفسهم قوانين جزاء تحدد كل جريمة والعقاب المناسب لها.
وبطبيعة الحال لا يكون أمراً غريباً أن يضع خالق الكون نظاماً للجزاء ثواباً وعقاباً، ولو لم يَضَعْ الحق سبحانه نظاماً للجزاء بالثواب والعقاب؛ لَنالَ كل مُفسدِ بُغْيته من فساده؛ ولأحسّ أهل القيم أنهم قد خُدِعُوا في هذه الحياة.
وما دام الجزاء أمراً طبيعياً؛ فلا ظُلْم فيه إذن؛ لأنه صادر عَمَّنْ قال: {لاَ ظُلْمَ اليوم...} [غافر: 17].
ولا يجازي الحق سبحانه الجزاء العنيف إلا على الجريمة العنيفة.
وقوله سبحانه: {لِيَجْزِيَ الله كُلَّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ...} [إبراهيم: 51].
يعني أن المؤمن أو الكافر سَيلْقي جزاء ما فعل؛ إنْ ثواباً أو عقاباً.
والكسب- كما نعلم- هو أن تأخذ زائداً عن الأصل، فأنت حين تحرم نفسك من شيء في الدنيا؛ ستأخذ جزاء هو الثواب وما يزيد عن الأصل.
ومَنْ كسب سيئة سيأخذ عقاباً عليها، ويُقَال (كسب السيئة) ولا يقال (اكتسبها) ذلك أن ارتكابه للسيئة صار دُرْبة سلوكية؛ ويفرح بارتكابها، ولابد إذن من الجزاء؛ والجزاء يحتاج حساباً، والحساب يحتاج ميزاناً.
وقد يقول المؤمن: إنِّي أُصدِّق ربي، ولن يظلم ربِّي أحداً. ونقول: إن المقصود بالميزان هو إقامة الحجة؛ ولذلك نجده سبحانه يقول: {فَأَمَّا مَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ} [القارعة: 6-7].
ويقول أيضاً: {وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ} [القارعة: 8-9].
ونجد القسمة العقلية في الميزان واضحة فهي مرة (ثَقُلَت) ومرة (خَفّت). أما مَنْ تساوت كِفَّتا ميزانه؛ فَفَسرت حالته سورة الأعراف التي قال فيها الحق سبحانه: {وَعَلَى الأعراف رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلاًّ بِسِيمَاهُمْ...} [الأعراف: 46].
وما دام الحق سبحانه سيحاسب كل نَفْس بما كسبتْ؛ فقد يظنُّ البعض أن ذلك سيستغرق وقتاً؛ ولذلك يتابع سبحانه: {إِنَّ الله سَرِيعُ الحساب} [إبراهيم: 51].
ليبين لنا أنه سبحانه سُيحاسِب كل الخَلْق من لَدُن آدم إلى أنْ تقومَ الساعة بسرعة تناسب قدرته المطلقة.
وحين سأل الناسُ الإمام- علياً- كرَّم الله وجهه-: كيف سيحاسب الله الخلق كلهم دفعة واحدة؟ أجاب الإجابة الدَّالة الشافية، وقال: (كما يرزقهم جميعاً).
ويقول سبحانه من بعد ذلك: {هذا بَلاَغٌ لِّلنَّاسِ وَلِيُنذَرُواْ....}.


{هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ(52)}
وهذه الآية هي مِسْك الختام لسورة إبراهيم، ذلك أنها ركَّزَتْ الدعوة؛ بلاغاً صدر عن الله ليبلغه لرسوله الذي أُيِّد بالمعجزة؛ لِيحمِلَ منهج الحياة للإنسان الخليفة في الأرض.
وإذا ما صدرتْ قوانينُ حركة الحياة للإنسان الخليفة في الأرض المخلوق لله، وجب ألاَّ يتزيّد عليها أحدٌ بإكمال ولا بإتمام؛ لأن الذي خلق هو الذي شرَّع، وهذه مسألة يجب أن تكون على ذِكْر من بَالِ كل إنسان مُكلَّف.
وحين تقرأ هذا القَوْل الحكيم: {هذا بَلاَغٌ لِّلنَّاسِ...} [إبراهيم: 52].
تجد أنه يحمل إشارة إلى القرآن كله؛ ذلك أن حدود البلاغ هو كل شيء نزل من عند الله.
وقول الحق سبحانه: {هذا بَلاَغٌ لِّلنَّاسِ...} [إبراهيم: 52].
قد أعطانا ما يعطيه النص القانوني الحديث، ذلك أن النصَّ القانوني الحديث يوضح أنه لا عقوبةَ إلا بنصٍّ يُجرِّم الفعل، ولابد من إعلان النصِّ لكافَّة الناس؛ ولذلك تُنشَر القوانين في الجريدة الرسمية للدولة، كي لا يقولَ أحد: أنا أجهل صدور القانون.
وكلنا يعلم أن الحق سبحانه قد قال: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حتى نَبْعَثَ رَسُولاً} [الإسراء: 15].
فمهمة الرسول- إذنْ- هي البلاغ عن الله لمنهج الحياة الذي يصون حركة الحياة.
ويقول سبحانه عن مهمة الرسول: {فَإِنَّمَا عَلَيْكَ البلاغ وَعَلَيْنَا الحساب} [الرعد: 40].
ويقول سبحانه: {الذين يُبَلِّغُونَ رِسَالاَتِ الله وَيَخْشَوْنَهُ وَلاَ يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلاَّ الله...} [الأحزاب: 39].
ويقول الحق سبحانه على لسان الرسول: {لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالاَتِ رَبِّي...} [الأعراف: 93].
ويقول أيضاً: {أَبْلَغْتُكُمْ ما أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ...} [هود: 57].
وهكذا لا توجد حُجّة لقائل: إني أُخِذْتُ بذنب لم أعرف أنه ذنبٌ وقْتَ التكليف. لا حُجّة لقائلِ هذا القول؛ لأن الحق سبحانه يقول في نفس الآية: {وَلِيُنذَرُواْ بِهِ..} [إبراهيم: 52].
والإنذار: تخويف بشرٍّ سوف يقع من قبل زمنه، ليوضح لك بشاعة المخالفة، وكذلك التبشير هو تنبيه لخير قادم لم يَأتِ أوانه كي تستعدّ لاستقباله.
وقَوْل الحق سبحانه: {هذا بَلاَغٌ لِّلنَّاسِ...} [إبراهيم: 52].
يتضمن البشارة أيضاً؛ ولكنه يرتكز ويؤكد من بعد ذلك في قوله: {وَلِيُنذَرُواْ بِهِ...} [إبراهيم: 52].
لأن الخيبة ستقع على مرتكب الذنوب.
وأقول: إن الإنذار هنا هو نعمة؛ لأنه يُذكِّر الإنسان فلا يُقدِم على ارتكاب الذنب أو المعصية، فساعةَ تُقدم للإنسان مغبة العمل السيء؛ فكأنك تُقدم إليه نعمة، وتُسدي إليه جميلاً ومعروفاً.
ويتابع سبحانه: {وليعلموا أَنَّمَا هُوَ إله وَاحِدٌ..} [إبراهيم: 52].
وهذه هي القضية العقدية الأولى، والتي تأتي في قِمّة كل القضايا؛ فهو إله واحد نصدر جميعاً عن أمره؛ لأن الأمر الهام في هذه الحياة أن تتضافر حركة الأحياء وتتساند؛ لا أن تتعاند. ولا يرتقي بنيان، ما إذا كنتَ أنت تبني يوماً ليأتي غيرك فيهدم ما بنيتَ.
ومهمة حركة الحياة أن نُؤدِّي مهمتنا كخلفاء لله في الأرض؛ بأن تتعاضدَ مواهبنا، لا أن تتعارضَ، فيتحرك المجتمع الإنساني كله في اتجاه واحد؛ لأنه من إله واحد وأمر واحد.
وحين يقول الحق سبحانه: {هذا بَلاَغٌ لِّلنَّاسِ...} [إبراهيم: 52].
فهو يحدد لنا قِوَام الدين بعد تلقّيه من رسول الله صلى الله عليه وسلم أنْ يُبلّغه مَنْ سمعه لمن لم يسمعه.
ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: «نضَّر الله امْرءاً سمع مقالتي فوعاها، وأداها إلى مَنْ لم يسمعها».
وذلك لتبقى سلسلة البلاغ متصلة، وإنْ لم يُبلغ قوم فالوِزْر على مَنْ لم يُبلّغ، وبذلك يحرم نفسه من شرف التبعية لرسول الله صلى الله عليه وسلم فَمنْ يعلم حكماً من أحكام الدين؛ فالمطلوب منه هو تبليغه للغير؛ مثلما طلب الحق سبحانه من رسوله أن يُبلِّغ أحكامه.
والحق سبحانه هو القائل: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى الناس وَيَكُونَ الرسول عَلَيْكُمْ شَهِيداً...} [البقرة: 143].
وهكذا شهد الرسول صلى الله عليه وسلم أنه بلَّغكم وبَقِي على كل مسلم يعلم حُكْما من أحكام الدين أن يُبلِّغه لِمَنْ لا يعرفه؛ فقد ينتفع به أكثر منه؛ وبعد أن سمع الحكم قد يعمل به، بينما مَنْ أبلغه الحكم لا يعمل به.
ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: «رُبَّ مُبلَّغٍ أوْعَى من سامع».
ولذلك أقول دائماً: إياك أن تخلط بين المعلومة التي تُقال لك: وبين سلوك مَنْ قالها لك، ولنسمع الشاعر الذي قال:
خُذْ عِلْمي ولاَ تركَنْ إلى عَملِي *** وَأجْنِ الثمارَ وخَلِّ العُودَ للحطَبِ
وهكذا يتحمل المسلم مسئولية الإبلاغِ بما يعرف من أحكام الدين لمن لا عِلْمَ لهم بها؛ لتظل الرسالة موصولة، وكلنا نعلم أن الحق سبحانه قد قال: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بالمعروف وَتَنْهَوْنَ عَنِ المنكر...} [آل عمران: 110].
أي: أنكم يا أمة محمد، قد أخذتم مهمة الأنبياء.
ولأن البلاغ قد جاء من الله على الرسول صلى الله عليه وسلم، والرسول أمين في تبليغه؛ لذلك لا يمكن أنْ يصدرَ عن الواحد الحكيم أوامر متضاربة، ولكن التضارب إنما ينشأ من اختلاف الآخر؛ أو من عدم حكمة الآمر، ولْنُدقِّق جيداً في قول الحق سبحانه: {وليعلموا أَنَّمَا هُوَ إله وَاحِدٌ...} [إبراهيم: 52].
فكلمة (واحد) جاءت لتمنع مجرّد تصوُّر الشراكة؛ فلا أحدَ مثله، وهو أحدٌ غير مُركَّب من أجزاء؛ فليس له أجهزة تشبه أجهزة البشر مثلاً؛ فلو كان له أجهزة لَكانَ في ذاته يحتاجُ لأبعاضه، وهذا لا يصِحُّ ولا يمكن تخيُّله مع الله سبحانه وتعالى.
وتلك هي القضية الأساسية التي يعيها أولو الألباب الذين يستقبلون هذا البلاغ. وأولو الألباب هي جمع، ومفرد (ألباب) هو (لُبّ)، ولُبّ الشيء هو حقيقة جوهره؛ لأن القشرةَ توجد لتحفظَ هذا اللُّب، والمحفوظ دائماً هو أنفَسُ من الشيء الذي يُغلّفه لِيحفظه.
وهكذا يكون أولو الألباب هم البشر الذين يستقبلون القضية الإيمانية بعقولهم؛ ويُحرِّكون عقولهم ليتذكروها دائماً؛ ذلك أن مشاغل الحياة ومُتعتها وشهواتها قد تَصْرِف الإنسان عن المنهج؛ ولذلك قال الحق سبحانه هنا: {وَلِيَذَّكَّرَ أُوْلُواْ الألباب} [إبراهيم: 52].
أي: يتذكر أصحاب العقول أن الله واحدٌ أحد؛ فلا إلهَ إلا هو؛ ولذلك شهد سبحانه لنفسه قبل أنْ يشهدَ له أيُّ كائن آخر، وقال: {شَهِدَ الله أَنَّهُ لاَ إله إِلاَّ هُوَ...} [آل عمران: 18].
وهذه شهادةُ الذات للذاتِ، ويُضيف سبحانه: {والملائكة وَأُوْلُواْ العلم} [آل عمران: 18].
وشهادة الملائكة هي شهادة المُواجهة التي عايشوها، وشهادة أُولي الألبابِ هي شهادة الاستدلال.
وشهد الحق سبحانه أيضاً لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم أنه رسول: وكذلك شهد الرسول لنفسه، فهو يقول مثلنا جميعاً: (أشهد ألا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله).
وهكذا فعَلى أُولي الألباب مهمة. أنْ يتذكَّروا ويُذكِّروا بأنه إله واحد أحدٌ.

شمعة حياتي
01-15-2012, 02:40 PM
تفسير رائع
جزاك الله خير الجزاء

حنين الاشواق
03-12-2012, 01:10 AM
شكرا لمرورك شمعة

احلاهم و اتحداهم
03-12-2012, 12:12 PM
كل الود والتقدير
دمت برضى من الرح ــمن

لك خالص احترامي

صقر العرب
03-26-2012, 11:45 PM
مجهو د طيب ورائع وقيم جدااا بارك الله فيكي

شمعة حياتي
03-27-2012, 02:50 PM
جزاك الله خيرا

نعيمة الله
01-02-2014, 12:33 AM
موضوع رااائع وجمييييل
وانتقاء مميز

سندريلا
01-07-2014, 07:28 PM
موضوع رااائع

وجهود أروع
ننتظر مزيدكى
يعطيك الف الف عافيه

أحلام
02-05-2014, 12:50 AM
جزاك الله خير الله يسلم ايدك

لا عدمنا طرحك

سمر 1234
02-13-2014, 12:07 AM
إبداع رائع

وطرح يستحق المتابعة

شكراً لك