المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : قصةالجلادوالضحية


حنين الاشواق
01-25-2011, 08:31 PM
صدفة لا تحدث إلا مرة فى المليون وضعتهم تحت رحمته، صدفة لا يمكن أن تحدث إلا فى القصص الخيالية. كان الفجر قد اقترب والليل يتنفس بهدوء، وهو يحوم بغريزة غامضة حول النيل، لا يريد أن يعترف لنفسه بأنه يفكر فى الانتحار. يتجنب التفكير فى الأمر كما يتجنب المرء لمس عضو مؤلم. وفجأة لمح رجلا مستندا على جانب الكوبرى وكأنه يوشك على الانتحار.
الانتحار! لأول مرة تطفو الكلمة فى ذهنه وهو يركض لينقذه. حينما اقترب منه أدرك أنه مخمور يتقيأ، حارس خاص يرتدى زيا أمنيا يُبْرز مسدسه المخيف، نظرة واحدة إلى الملهى المجاور جعلته يدرك أنه أفرط فى الشراب. همّ أن يتراجع فى اشمئزاز لولا أن الحارس السكران كان يهذى بأسماء يعرفها جيدا، أسماء يفكر فيها ليل نهار، أسماء يكرهها أكثر مما يكره الموت ذاته، أسماء حمّلها مسؤولية تعاسته الخاصة وتعاسة الملايين من أمثاله، تُحرّك البلد كرقعة شطرنج، تُجيع جنودا، تشلّ الطابية، تقطع سيقان الحصان.
استجوب الحارس فعرف أنهم مجتمعون فى الملهى يديرون شأنا خاصا بهم. جاءته الفرصة الذهبية للخلاص منهم فيا له من سرور جدير بالأحلام!
الأفعى الشريرة تُسْحق من رأسها وبلا تردد. استولى على المسدس من حزام الحارس المخمور بلا مقاومة، تركه ينهار فى اشمئزاز. وَزَن المسدس فى يده، يزن العدالة ذاتها، ضخم بارد وعادل. تسلل إلى الملهى كزبون عادى، مسح المكان بعينيه فعرفهم بنظرة واحدة. لولا أنه يتوقع وجودهم ما عرفهم، الحقيقة أن أسماءهم غير معروفة للعامة، ولولا أنه بحث لفترة طويلة عمن يمسكون خيوط الجريمة ما سمع بأسمائهم قط. خيوط العنكبوت التى تُحكم شباكها حول الوطن، كلهم هنا، فى هذا المكان القذر، تجّار الأراضى والمخدرات والأقوات، سارقو الأحلام من قلوب البسطاء، مختلسو أقراص الدواء من الريفيات البائسات، كلهم أمامه، تحت رحمته. لا يحتاج الأمر إلى أكثر من ضغطة واحدة على الزناد فتزداد مساحة اللون الأبيض، وتقل - ولو قليلا - سيادة اللون الأسود.
الذى حدث بعدها أغرب من الخيال. اقترب منهم. شهر المسدس فى وجوههم. لم يكن لديه شك أنهم شاهدوا الخطر المحدق. لكن العجيب أنهم استمروا فى حديثهم وكأنه لم يحدث شىء!. يتبادلون الضحكات والبسمات، يلقون النكات، يعقدون الصفقات، يشربون الأنخاب وكأنه شبح أو غير موجود.
لوهلة شك أنه يحلم، أو أنه مات وفقد وجوده المادى، هذا هو التفسير الوحيد الممكن لعدم اكتراثهم بالمسدس الذى يحمله. كان يمكنه أن يقضى الليل على هذا النحو عاجزا عن الفهم، لولا أنه لمح انعكاس صورته على معدن المسدس ففهم على الفور لماذا لم يأخذوا تهديده على محمل الجد. كانت صورته المنعكسة على معدن المسدس صورة ضحية لا صورة جلّاد. ضحية لا تملك سوى الحقد والدعاء والبكاء. وحتى لو امتلك كل مسدسات العالم سيظل مهزوما من الداخل، عاجزا عن إطلاق الرصاص.

حنان
01-26-2011, 02:52 AM
الله يا حنيــــــــــــين الأشواق قصة فيها كثير من العبرة والعظة
يشلمووووووووو على النقل الرائع للموضوع

لوجين
03-12-2015, 10:06 AM
قصه رائعه حنين
يعطيكي العافيه غاليتي