المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الفاطميون يضيعون القدس وصلاح الدين يحرّرها


حنين الاشواق
03-09-2010, 11:01 PM
الفاطميون يضيعون القدس وصلاح الدين يحرّرها


لصلاح الدين الأيوبي رحمه الله مكانة كبيرة في نفوس المسلمين، لم يَمحها أو يقلل منها مرور السنوات، لارتباط اسمه ـ بشكل خاص ـ بتحرير القدس ممن براثن الصليبيين، وإعادة هذا المكان المقدس إلى المسلمين بعد أكثر من 90 عاماً من احتلاله.
يكاد دور صلاح الدين في تحرير القدس، وبطولاته ضد الصليبيين، تكون معروفة لجميع المسلمين، لكن ما يغيب عن معظمهم هو أن سقوط القدس بيد الصليبيين كان بالأساس نتيجة تواطؤ الدولة العبيدية الفاطمية، صاحبة المذهب الشيعي الإسماعيلي، وقد حكمت هذه الدولة أجزاء كبيرة من العالم الإسلامي، منها: مصر والمغرب العربي وبلاد الشام والحجاز.

تقول التفاصيل إنه في سنة 491هـ (1098م) تمكن الصليبيون من تأسيس أول إمارة لهم في الشرق الأدنى الإسلامي، وهي إمارة الرها (بين الموصل والشام)، ثم استطاعوا في نفس العام، تأسيس إمارتهم الثانية، وهي إمارة أنطاكية (شمال غرب سورية)، رغم المقاومة التي أبداها السلاجقة، الذين كانوا يحكمون آنذاك شمال بلاد الشام.
كانت الدولة العبيدية الفاطمية، تراقب الوضع عن كثب، لا لنصرة المسلمين، أو تقديم العون للسلاجقة للتصدي للصليبيين، إنما كانت المراقبة لأمر آخر!!
يقول د. محمد طقوش: "في الوقت الذي وصلت فيه طلائع الحملة الصليبية الأولى إلى بلاد الشام، كان الفاطميون منهمكين بسوء أوضاعهم الداخلية السياسية والاقتصادية، وتحكّمت فيهم روح العداء للسلاجقة في بلاد الشام، لذلك لم يتحمسوا آنذاك لفكرة الجهاد ضد الصليبيين، وربما رأى بعض أركان الدولة في هؤلاء درعاً يحميهم من خطر السلاجقة"([1]).
كان على رأس الدولة الفاطمية آنذاك، المستعلي بالله، وكان الوزير الأفضل بن بدر الجمالي، هو صاحب السلطة الفعلية في الدولة، إذ أن الدولة الفاطمية عاشت سنوات طويلة في ظل تسلط الوزراء وسيطرتهم على مقاليد الأمور.
أثار موقف "الأفضل" من حصار الصليبيين لأنطاكيا، وتخاذله عن نجدة المسلمين فيها استياء المسلمين، بمن فيهم المؤرخون الذين يميلون في العادة إلى تسجيل الوقائع والأحداث بشكل مجرد دون التعليق أو إبداء الرأي، لكن التقاعس والتخاذل بلغ حدّاً جعل المؤرخ المصري ابن تغري بردي يقول: "ولم ينهض الأفضل بإخراج عساكر مصر، وما أدري ما كان السبب في عدم إخراجه مع قدرته على المال والرجال"([2]).
ويشرح ابن تغري بردي كيف خرجت عساكر المسلمين في العراق وبلاد الشام لصد زحف الصليبيين "كل ذلك وعساكر مصر لم تُهيّأ للخروج"([3]).
و"لم يكتف الأفضل بهذا ولم يقف عند هذا الحد، وبدلاً من أن يجيّش الجيوش لصد المعتدين، أرسل سفارة إلى الصليبيين بينما كانوا يحاصرون أنطاكية، وتفيد بعض المصادر الصليبية بأن الأفضل عندما رأى حصارهم لأنطاكية قد طال، خاف من أن يتسرب الضعف والملل إلى نفوس الصليبيين، لذا أرسل إليهم سفارة ترجو قادتهم مواصلة الحصار، وأكد لهم أنه سيساعدهم بالإمدادات العسكرية والمواد الغذائية، وكلّف سفراء مخصوصين بالعمل على كسب قلوب قادة الصليبيين"([4]).

وبشيء من الأسى، يقول الأستاذ جمال بدوي: "لم يجد الفاطميون في الانتصارات التي أحرزها الصليبيون في آسيا الصغرى وإنطاكية كارثة عامة حلّت بالمسلمين، وإنما وجدوا فيها أمنية عزيزة هي تخليص الشرق الأدنى من سيطرة الأتراك السنيين"([5]).
لم يكتفِ الفاطميون، ووزيرهم الأفضل الجمالي، بموقف المتفرج، ولا عرض التحالف مع الصليبيين ضد السلاجقة والمسلمين السنة، إنما وجهوا طعناتهم إلى السلاجقة باحتلال عدد من المدن التي بحوزتهم وعلى رأسها: صور والقدس.
أي أن الأفضل بدلاً من أن يوجه جنوده وقواته إلى محاربة الصليبيين، وجّهها إلى قتال السلاجقة الذين كانوا منهمكين في قتال الصليبيين والدفاع عن المدن الإسلامية.
ويقول د. طقوش: "بالإضافة إلى مشروع التحالف الذي عرضه الأفضل على الصليبيين، فقد استغل فرصة انهماك السلاجقة بالتصدي للزحف الصليبي في شمال بلاد الشام، فنهض لاستعادة نفوذ الفاطميين في جنوب بلاد الشام، ظناً منه أنه بات من اليسير تحقيق مكاسب سريعة على حساب السلاجقة"([6]).
استطاع الأفضل احتلال صور في سنة 490هـ (1097م) ولم يحاول أن يهاجم بيت المقدس وترك ذلك لفرصة أخرى، "وحانت هذه الفرصة في شهر رمضان 491هـ (1098م) والصليبيون ما يزالون في انطاكية، فخرج من مصر على رأس جيش كثيف ونزل على بيت المقدس وحاصره، وفيه الأميران سكمان وإيلغازي، ابنا ارتق بن أكسب، فرَاسَلهما يلتمس منهما تسليم بيت المقدس إليه دون قتال، فامتنعا في بادئ الأمر عن إجابة طلبه، وتحصّنا وراء أسوار المدينة، إذ علما أن دقاقاً (حاكم دمشق) ليس بوسعه أن يبادر بالنهوض إلى مساعدتهما... ومع أن جيش الأفضل تجهّز بأحدث آلات الحصار، من بينها أربعين منجنيقاً، فإن الأراتقة ظلوا يقاومون الحصار مدة أربعين يوماً، ولم يرغمهم على الاستسلام إلاّ ما حدث من تدمير الأسوار، ودخل الأفضل إلى بيت المقدس واستولى عليه..."([7]).
"في هذا الوقت كانت الجيوش الصليبية في طريقها إلى القدس، فلم ينتظر الأفضل وصولها أو حتى التصدي لها، بل عاد لتوّه إلى القاهرة"([8]).
ويؤكد الباحث الأستاذ يوسف إبراهيم أن الدولة الفاطمية كانت على علمٍ بأهداف الصليبيين وخطّ سيرهم حتى قبل وصولهم إلى أراضي الدولة البيزنطية، فقد بلغ الصليبيون أهدافهم، وأمير جيوش الدولة الفاطمية خامل متردد حائر، فرماه بعض المؤرخين بالخيانة. وينقل الباحث عن ابن الأثير (الكامل في التاريخ) قوله: إن أصحاب مصر من العلويين (الفاطميين) لما رأوا قوة الدولة السلجوقية وتمكنها واستيلائها على بلاد الشام إلى غزّة، ولم يبقَ بينهم وبين مصر ولاية أخرى تمنعهم، ودخول الأقسيس إلى مصر وحصرها، فخافوا وأرسلوا إلى الفرنج يدعونهم إلى الخروج إلى الشام ليملكوه([9]).

بدأ الصليبيون يزحفون تجاه بيت المقدس مدفوعين بنشوة انتصاراتهم غير آبهين بما اتفقوا عليه مع الأفضل، ويستولون على المدن والقرى التي في طريقهم، "عندئذ أفاق الأفضل من سكرته، ووجد أنه سيكون وجهاً لوجه أمام أصدقاء الأمس، وأعداء الغد، ولا مناص من الصدام بينهما، ولكن الأفضل اكتشف الحقيقة المرة بعد فوات الأوان، وبينما الصليبيون في طرابلس ـ في طريقهم إلى القدس ـ بعث إليهم بسفارة ثانية محمّلة بهدايا وأموال هائلة تفوق ما حملته السفارة الأولى، كما أن العرض الجديد يختلف عن العرض السابق، وفحواه أن يمتنع الصليبيون عن دخول القدس على أن يتعهد الفاطميون بالسماح للحجاج المسيحيين بالوصول إلى الأماكن المقدسة في شكل مجموعات صغيرة تتراوح ما بين مائتين وثلاثمائة حاج، بشرط أن يكونوا منزوعي السلاح، ولكنّ الصليبيين ردّوا عليه بأنهم سيتمكنون من الحج فعلاً، ولكن بمعونة الله، ومن دون وصاية من أحد"([10]).

توجّه الصليبيون إلى القدس، وحاصروها مدة أربعين يوماً، لم تصل خلالها إمدادات من الأفضل للحامية الفاطمية في المدينة، وتؤكد المصادر التاريخية أن الصليبيين خلال حصارهم للقدس واجهتهم مشاكل كثيرة، منها: الاستعدادات التي اتخذها حاكم المدينة الفاطمي، افتخار الدولة، وصعوبة تأمين المياه، وارتفاع الحرارة، وحدوث خلاف بين الصليبيين حول مصير بيت المقدس، ورغم هذه الصعوبات إلاّ أن الصليبيين استطاعوا اقتحام القدس في 23 شعبان، سنة 492هـ (15/7/1099م) وارتكبوا مذبحة مروّعة قتلوا فيها سبعين ألفاً من المسلمين، "واحتمى افتخار الدولة مع طائفة من الجند بمحراب داود، حيث اعتصموا به، وقاتلوا ثلاثة أيام، ولكنهم لم يلبثوا أن ألقوا السلاح بعد أن بذل لهم الصليبيون الأمان، ثم أطلقوا سراحهم، وسمحوا لهم بالخروج إلى عسقلان، فكانوا الفئة الوحيدة من مسلمي بيت المقدس التي نجت من وحشية الصليبيين"([11]).

يقول ابن تغري بردي: "والعجيب أن الفرنج لمّا خرجوا إلى المسلمين كانوا في غاية الضعف من الجوع وعدم القوت، حتى أنهم أكلوا الميتة، وكانت عساكر الإسلام (أي قوات الفاطميين) في غاية القوة، والكثرة، فكسروا (أي الصليبيون) المسلمين ومزقوا جموعهم".
ويصف الأستاذ بدوي رد فعل الأفضل الجمالي، ودولته الفاطمية، على كارثة احتلال القدس فيقول: "أما الدولة الفاطمية فقد تلقت أخبار النكبة في برود، وظلت تغط في سباتها العميق، وحاول الوزير الأفضل أن يفعل شيئاً يمحو به عار التواطؤ الذي أدّى إلى الكارثة، فلمّا بلغه سير الصليبيين نحو القدس، جمع رجاله وخرج إلى فلسطين على أمل أن يحول بين الصليبيين وبين دخولهم القدس، ولكنه وصل إلى عسقلان في يوم 4 أغسطس، أي بعد عشرين يوماً من استيلاء الصليبيين على القدس، وهكذا أصيب الأفضل بخيبة أمل كبيرة بعد أن اعتقد في وقت ما أن الصليبيين سيقنعون باحتلال شمال سوريا، ويحرصون على صداقة الفاطميين بوصفهم حلفاءهم الطبيعيين ضد الأتراك السلاجقة.
"ولم يسَع الأفضل عند وصوله إلى عسقلان سوى أن يرسل رسولاً إلى الفرنج يوبخهم على ما فعلوا، على حد تعبير المؤرخ ابن ميسر، ولم يكن أحق بالتوبيخ من الأفضل نفسه، الذي جمع بين سوء النيّة، وضعف التدبير"([12]).
وهكذا ظلّت القدس بيد الصليبيين، نتيجة تواطؤ الفاطميين العبيديين، إلى أن قيّض الله لهذه المدينة بطلاً من أبطال المسلمين، هو صلاح الدين الأيوبي، تمكّن في سنة 583هـ (1187م) من تحريرها في معركة حطين، وإصلاح ما قام به العبيديون من خيانة وتخاذل.

ريتاج احمد
03-11-2010, 01:48 AM
اسمتعت كثيرا بقراءة هذا الموضوع لانى بحب التاريخ والحضاره