المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : فقه الحياة للدكتور علي بن عمر بادحدح


ريتاج احمد
02-23-2010, 12:16 AM
أوصيكم بوصية الله للأولين والآخرين تقواه سبحانه وتعالى في كل آن وحين ونحن نتحدث عن فقه الحياة فهماً لأحداثها وإدراكاً لطبيعتها وتأسيساً صحيحاً للعلاقات فيها لعلنا نجعل حديث اليوم عن جوهر الحياة ولبها عن حقيقتها وروحها عن أساسها وقاعدتها إنه الأمر المهم قطب الرحا ومربط الفرس كما يقال إنه التدين ليس بمفهوم الكلمة المتبادل في الذهني في صورة التزام ظاهري أو التزام للفرائض والأعمال التعبدية وإن كان ذلك من هذا التدين ومن حقيقته إلى أن التدين الذي نتحدث عنه بالمفهوم الإسلامي الصحيح هو الصياغة الكاملة للإنسان في عقله وفكره في قلبه وروحه في عمله وسلوكه في صلاته وعلاقاته إنه الأمر الذي يستكن في النفس ويستقر في القلب متعلقاً بالله مرتبطاً بمنهج الله ما الذي يحركه ويهيجه الرغبة في رضا الله ما الذي يدفعه للسباق والمنافسة المسارعة إلى ثواب الله ما الذي يدخل السرور إلى قلبه والفرحة إلى نفسه لذة الطاعة لله وحلاوة المناجاة لله وذل الانكسار بين يد الله ما الذي يحزنه ويهمه ويغمه أن يغفل عن ذكر الله أو أن يستزله الشيطان فيقع في معصية الله أو أن يرى أمراً من المنكر لا يستطيع له تغييراً فيتغير له قلبه إنه تدين يجعل كل الحياة مرتبطة بهذا المعنى المعنى الذي فيه مراقبة الله الذي فيه إلى ما يحبه الله ويرضاه التعلق بما أشار وبين وأرشد إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي قال: لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به وهذا الحديث نحفظه ونردده لكن حقيقة معناه هي حقيقة التدين الحق وهي حقيقة ليست سهلة وإنما تحتاج إلى جد واجتهاد أتعرفون المعنى أن يكون هوى نفوسنا أن تكون شهواتها ورغباتها لذاتها مرتبطة فيما جاء به رسول الهدى صلى الله عليه وسلم أن تكون الشهوة والهوى في قيام الليل الذي كانت تتفطر له أقادمه عليه الصلاة والسلام أن يكون أمتع الأوقات وأحلاها جعلت قرة عيني في الصلاة كما قال رسولنا صلى الله عليه وسلم أن يكون أحلى قول نردده بألستنا ويفتر عن شفاهنا تلاوة كتاب الله وترطيب الألسن بذكر الله هذا هو التدين عندما نريد أن نتأمل سنجد ضبطه للعقل والفكر فيرى المؤمن بيقينه وإيمانه وجوهر تدينه أن الحق كله فيما جاء عن الله ورسول الله صلى الله عليه وسلم (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا ) [المائدة/3] قد يسمع مقالات هنا أو هناك قد يسمع تشكيكاً في تشريع أو في حكم قد يستمع إلى قوانين ومذاهب وضعية من صنع البشر قد يرى إعلاماً يروج بسلوكيات وأفكار مختلفة ويبقى تدينه مؤشره هو أن الحق ما جاء عن الله وعن رسوله وأنه حق لا شك فيه وأنه حق لا نقص معه وأنه حق ليس محدود الصلاحية بزمان أو مكان (قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَكَذَّبْتُمْ بِهِ مَا عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ ) [الأنعام/57] قولوا ما شئتم تبنوا من الأفكار ما أردتم فإن استمساكي بدين الله لأني على بينة منه كما خاطب الله جل وعلا سيد الخلق صلى الله عليه وسلم (قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَكَذَّبْتُمْ بِهِ مَا عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ ) [الأنعام/57] وفي نداء رباني آخر للرسول عليه الصلاة والسلام (قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي فَلَا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (104) وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ) [يونس/104، 105] وهي آية تدلنا على صدق التدين أخبرنا بها النبي صلى الله عليه وسلم في حادثة عابرة نذكرها أحياناً بدلالات أقل من هذه الدلالة العظيمة يوم جاء رجل يشكو إلى الرسول صلى الله عليه وسلم بطنه فقال له النبي صلى الله عليه وسلم اشرب عسلاً فذهب فشرب عسلاً فتطلقت بطنه يعني زاد اسهاله فجاء يشكو مرة أخرى فوصف له النبي مرة ثانية ثم عاد كأنما لم يكن مستيقناً بأن وصفة النبي صلى الله عليه وسلم نافعة وله شافية وكان أخوه الذي يتردد فقال له صلى الله عليه وسلم كذب بطن أخيك وسيصدق قول النبي صلى الله عليه وسلم وبالمناسبة تذكرت الآن طبيباً من زملائنا في الجامعة أخبر عن عملية تكررت للإنسان في موضع من جسده فصار بعد ذلك لا يلتئم جرحه قال فكنا نطهره وننظفه قال ثم بدا لنا أن نأخذ بشفاء القرآن فصببنا عليه عسلاً فوجدنا لذلك أثراً فواظبنا عليه فالتئم جرحه في ثلاثة أسابيع بدون أدوية حديثة ولا غير ذلك وإن كان الاستطباب والاستشفاء مشروعاً وليس فيه حرمة ولا حرج ثم ننظر إلى جملة هذه التوجيهات الربانية فنجدها تقول فاستمسك يعني بالغ في التمسك بهذا الدين وإن رأيت أو رأى الناس ما رأوا يمنية ويسرى وهاهو القرآن يخاطب المصطفى صلى الله عليه وسلم (وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَاصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ ) [يونس/109] اصبر على ثباتك على هذا الدين واستمساكك به فإن هذا روح التدين وهنا اليوم نرى خللاً في التدين أو ضعفاً ليس بالضرورة في ذلك الارتكاب للمخالفات أو التقصير في الطاعات وإنما في أصل الفكرة والمبدأ فنرى من يقول ما دام العصر تغيير فثمة ما يحتاج إلى تغيير في أصول من الأحكام الثابتة أو أنها لم تعد في هذا العصر مواكبة وكثير ما نسمع ذلك ولم نعد نسمعه خفية بل يبث على الشاشات والفضائيات في تعدد الزوجات وفي الإرث وفي المساواة وفي غير ذلك (وَاصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ ) فلئن كذب بطن أخيه فستكذب كل الأقاويل والأراجيف ويبقى الحق ما جاء عن الله وما ثبت عن رسوله صلى الله عليه وسلم وانتقل بكم إلى العاطفية والقلب لنرى ما هو التدين فيها إنه انبعاث العاطفة وتحرك القلب بالمشاعر كما قال بعض السلف والله إنه لتمر عليه أحياناً يكون فيها قلبي طرباً كأنما قد دخلت الجنة تصور لماذا من لذة طاعة الله سبحانه وتعالى وقد أشرت إلى حديث المصطفى جعلت قرة عيني في الصلاة غاية السعادة ومنتهى اللذة وكمال الفرح وأحسن السرور في تلك الخلوة بينك وبين ربك تتلو القرآن تسبح عظمته تسبح بعلوه تسجد بين يديه ترفع الدعاء الضارع إليه فإذا بنفسك تغتسل من أوبارها وتتطهر من أكدارها وتتخلص من همومها وتنفرد حينئذ أساريرها وتجد تلك السعادة الغامرة التي وصفها أهل الإيمان وتأملوا المقارنات القرآنية كما يأتينا قوله سبحانه وتعالى: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آَمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ ) [البقرة/165] كل ما يأتي عن الله ويكون لله ونتحمله في سبيل الله فهو ينزل على القلوب والنفوس برداً وسلاما ذلك مفهوم التدين أما إن صلينا ركعتين وقد برمت بها نفوسنا وضاقت بها صدورنا وتكدرت لها خواطرنا فثمة غش وخلل في تدينا واستمع إلى قوله جل وعلا (قُلْ إِنْ كَانَ آَبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ ) [التوبة/24] انظروا إلى الفرح والحزن في شعار التدين كما رأيناه في حياة الأصحاب في ظلال مرشدهم ومعلمهم رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم تبوك الغزوة التي كانت أبعد مسافة وأكثر مشقة وجاءت في وقت أشد حراً وأكثر فقراً وتحرك الناس ليخرجوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في شدة الحر وبعد المسافة وجاء نفر يحركهم تدين صادق يريدون أن يخرجوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لا إلى نزهة ولا متعة وإنما إلى سفر شاق وقتال تزهق فيه الأرواح ولم يكن مع النبي صلى الله عليه وسلم دواب يحملهم عليها ولا زاد يكون في مسيرهم فاعتذر منهم فهل فرحوا بذلك وهل قالوا منك جاءت ورجعنا مرتاحين أخبرنا القرآن عن وصفهم (وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ ) [التوبة/92] حزنوا أصابهم ألم وحزن لماذا ما الذي فاتهم ما الذي ضاع منهم إنه ألم وإنه تعب وإنه خطر لكنه في سبيل الله لكنه لإعلاء راية الله لكنه تحت راية رسول الله صلى الله عليه وسلم فحزنوا على فواته وانظروا إلى فرح آخر يوم جاء مهاجرو الحبشة في خيبر ودخل الفاروق عمر إلى بيته فرأى امرأة فسأل زوجته من هذه قالت أسماء قال آالحبشية إحدى مهاجرات الحبشة قالت نعم فقال عمر رضي الله عنه نحن أحق برسول الله صلى الله عليه وسلم منكم هاجرنا معه وجاهدنا معه حتى نصره الله فتعجبت من هذا العرض وداخلها هم واضطرب لديها الأمر فقالت والله لا يكون هذا قد هاجرنا في سبيل الله وكنا في أرض البعداء الغرباء لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم ثم ذهبت إلى رسول الله تذكر له مقالة عمر كيف يكونون أحق بنا منك كيف سيكون هذه المنافسة هل هي على رصيد بنكي أو على زيادة في الأسهم أو ارتفاع في الأسعار كلا فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم المربي المعلم الذي يريد أن يربط الناس كلهم بدين الله للناس هجرة واحدة ولكم أهل الحبشة هجرتين هذه مزية ليست لأحد ففرحت بها قال الراوي والحديث في الصحيح فجعل الناس يأتون إليها أرتالاً من أهل الحبشة يسألونها عن حديث رسول الله وكانوا أفرح شيء بالخير بدأت الوفود تتوافد لتأخذ صكوكاً أو شهادات أسهم لتأخذ مقولة أن لكم رصيداً في تدينكم وتقربكم لله عز وجل وارتباطكم برسوله صلى الله عليه وسلم العاطفة وما أدراك ما العاطفة الثلاثة الذين خلفوا يوم تبوك كانوا مؤمنين صادقين قعدت بهم أموراً وانفرط العقد ومضى النبي ومن معه فلما رجع عاقب هؤلاء الثلاثة وحدهم دون بقية الآخرين لأنهم كانوا منافقين وهؤلاء كانوا صادقين أي عقوبة كانت عقوبة رهيبة لا يكلمهم أحد مقاطعة معنوية قاسية على النفوس المحبة للإيمان النابضة بأخوة الإسلام وامتثلت المدينة كلها لم تسجل ولا حالة واحدة للمخالفة حتى روى كعب بن مالك وكان أشد الثلاثة قال فجئت إلى أبي قتادة ابن عم لي فتسورت عليه حائطه أي بستانه أنشدك الله هل تعلم أني مؤمن بالله ورسوله أي ليس عندي نفاق قال فسكت ثم أعدت عليه فقال الله ورسوله أعلم ثم بعد أربعين ليلة جاءت الأوامر الجديدة أن يفارقوا زوجاتهم حتى المقربين سيقاطعون ما قال أحد إلى هذا الحد وكفى إلى متى يستمر هذا أطلقها أم أفارقها ما هو المطلوب وظل على ذلك ووصف لنا القرآن حالتهم النفسية وصف الله جل وعلا ما خالط نفوسهم من هم لأجل مقاطعة قد لا تكون مؤثرة على حياتهم المادية قد يأكلون ويشربون ويسقون في الأسواق ويتجرون لكن كيف يقاطعهم المؤمنون كيف لا يصلهم إخوانهم المسلمون ولذلك قال حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت كل هذه الدنيا لم تعد تسعهم لأنه قد ضاقت صدورهم وانظروا كيف جاء الفرج والفرح لما تنزلت آيات التوبة انظروا كيف كانت مشاعر المسلمين قال كعب فامتطى رجل فرساً وصعد آخر على جبل سلع كل يريد أن يسبق بالبشارة إلى كعب بن مالك رضي الله عنه وفرحوا بذلك فرحاً عظيماً إذاً التدين أن تكون عواطفنا كذلك لا أن نفرح يوم أن تأتينا الآلاف والملايين ونحزن يوم تذهب المئات والملاليم ولا نفرح لأمر فيه طاعة وفقنا الله فيه لختم قرآناً أو لحفظ آيات أو غير ذلك كأنما هذا لا مدخل له إلى قلوبنا ولا صلة له بنفوسنا إن حقيقة التدين أن يعيش هذا الإيمان وتلك الصلة بالله في أعمق أعماق قلوبنا ونفوسنا وهذا هو الذي يجعلنا نعرف التحرك العملي الذي يتحرك به أهل الإيمان كما رأينا في حديث جرير بن عبدالله البجري يوم جاء النبي صلى الله عليه وسلم في المسجد كان في المسجد ودخل الفقراء فتمعر وجهه حزناً على حالهم ثم اجتمع المسلمون بتبرعاتهم تهلل وجهه كأنه مذهبة لم يدخل إلى جيبه شيء صلى الله عليه وسلم لم يزد في رصيده لكنه رأى صورة الإيمان المحركة لقلوب أصحابه رأى صورة التكافل المتجسدة في أفراد المسلمين ففرح بذلك فرحاً عظيماً وكان عليه الصلاة والسلام يعرف أثر حزنه وفرحه في وجهه عليه الصلاة والسلام وإذا أردنا الحركة فانظروها هذا أبو ذر يعرفنا بالحديث المعروف ذهب أهل الدثور بالأجور من الذي قال ذلك الفقراء ما جاءوا يقولون يا رسول الله نحن نريد تحسين مستوى المعيشة نريد زيادة مخصصات الضمان ما الذي كان يشغلهم يا رسول الله ذهب أهل الدثور بالأجور الأغنياء عندهم أموال لم يقولوا فليعطونا منها كانوا ينفقون في سبيل الله نحن لا نجد ما ننفق في سبيل الله مشكلة أرقتهم قضية أزعجتهم مشاعر حركتهم لماذا فقال النبي أوليس قد جعل الله لكم ما تصدقون به كل تسبيحة صدقة كل تهليلة صدقة كل تكبيرة صدقة إلى آخر ما هو في الحديث وفي حديث آخر كان أحدنا لا يجد ما يتصدق به ليس عنده فائض مال فهو معذور ليست عليه زكاة واجبة ولا صدقة تطوعية قال فكان أحدنا يتحمل الحمالة يعني يعمل حاملاً ويكد ببدنه ليجد ما يتصدق به وهذا الذي يثبتنا ويبين لنا الحق ويبين لنا الأثر العاطفي للإيمان وتحريكه لواقع الحياة وذلك هو الذي يجعل إيقاع الحياة على منهج الإسلام وعلى هدي رسول الإسلام صلى الله عليه وسلم فالصدق حينئذ يكون صدقاً لأنه فيه مراقبة لله وإتباع لرسول الله وإن كان ظاهر الكذب سيكون منجاة والوفاء يكون وفاء وإن كان مع عدو والعدل يكون عدلاً وإن كان مع خصم لأن الحياة حينئذ تكون تديناً لله وكما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إنكم لتختصمون إلي ولعل أحدكم يكون ألحن بحجته من صاحبته فأقضي له بنحو مما أسمع فمن قضيت له بغير حق فإنما اقتطع له قطعة من النار فليأخذ أو ليدع يمكن أن نأخذ أموراً ظاهرية يمكن أن نبرز صوراً عملياً أو وثائق رسمية لكننا نعرف في بواطن أمورنا أن هذا غير الحق لو كان لنا تدين صادق لأخذنا الحق ولو كان علينا نسأل الله عز وجل أن يبلغنا في طاعته ومرضاته ما نؤمله في مرضاته ومغفرته سبحانه وتعالى أقول هذا القول واستغفر الله لي ولكم من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية

أوصيكم ونفسي الخاطئة بتقوى الله وإن التدين هو حقيقة وجوهر التقوى ولعلي أختم هنا بآية واحدة تكاد تجمل لنا خلاصة ما نريد أن نذكر به بالتدين وأنه جوهر الحياة وبوصلتها فاستقم كما أُمرت ومن تاب معك ولا تطغوا إنه بما تعملون بصير هذه هي الخلاصة أن يكون التدين استقامة كما أمرنا الله في كل شيء وهنا ستحسن الحياة سيكون ما بين الزوج وزوجه مودة ومحبة لماذا لأنها أمر الله سيكون فيما بينه وبينها صدق ووفاء لأن هذا هو هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم سيكون هناك عفو وصفح لأن هذا هو طبيعة وحقيقة هذا الإسلام التدين استقامة على أمر الله في كل حال وآن كما قال النبي صلى الله عليه وسلم اتقي الله حيث ما كنت فاستقم كما أمرت ستنضبط أمور التجارة لن نجد غشاً لأن الغاش يتذكر النبي صلى الله عليه وسلم يوم وضع يده في صبرة الطعام وكان فيه بلل وقال من غشنا فليس منا وسوف يكون هناك سماحة في البيع لأن الرسول قال فإن صدق وبين بورك لهما في بيعهما رحم الله امرئ سمحاً إذا باع سمحاً إذا اشترى ستتغير الأحوال لن يكون هناك ظلم ولا عدوان لأن الآية قالت فاستقم كما أُمرت ومن تابع معك سيكونون مستقيمين ولا تطغوا لأن الذي يمنع الطغيان ويمنع العدوان ويمنع الظلم ليست القوانين ليست الشرطة ليست العقوبات وإنما واضع الإيمان في قلبه التدين الذي يخفق في قلبك خوفاً من الله ورغبة في ثوابه وتأسي برسوله صلى الله عليه وسلم (فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا ) والضابط (إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ) [هود/112] في كل لحظة في كل آن في كل حركة في كل سكنة في كل رقعة في كل مكان في كل كلمة في كل نفس الله عز وجل مطلع عليك وعالم بك وهذا الذي يؤثر التأثير الحقيقي في نفس الإنسان المؤمن في كل لحظات حياته ومن هنا نحتاج إلى نية خالصة لله سبحانه وتعالى وإلى حكمة بالغة بمعرفة شرعه وأحكام دينه وهدي رسوله صلى الله عليه وسلم ومجاهدة صادقة بأن الأمر يحتاج (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ) [العنكبوت/69] وإلى يقين برحمة الله الواسعة فسنخطئ لكننا نوقن بتديننا أنه رحيم غفور فنقبل عليه باستحياء عما وقع وبندم عما مضى وبرغبة في الخير فيما يأتي ومثل كذلك المراقبة الدائمة تجعلنا على هذا النحو الذي نريد أن يكون حقيقة التدين ليس مرتبطاً بالمظهر وحده وبالشكل والهيئة وحدها ولا بمجرد أداء الشعائر دون روحها بل أن يكون التدين هو جوهر الحياة وحقيقتها نسأل الله عز وجل أن يمن علينا بالتدين الحقيقي الخالص وأن يجعل نياتنا له خالصة وقلوبنا بمرضاته معلقة ونفوسنا إلى طاعته ورضوانه تائقة ونسأله سبحانه وتعالى أن يذيقنا لذة مناجاته وحلاوة عبادته والسعادة في ذكره وأن يجعلنا بما عنده من الأجر أوثق بما عندنا من حظ الدنيا نسأل اللهم أن تجعل قلوبنا متوكلة عليك وخائفة منك وراجية فيك ومنيبة إليك وواثقة بك ونسألك اللهم أن تجعل في قلوبنا حبك وحب نبيك صلى الله عليه وسلم وحب من يقربنا إلى حبك وحب أولياءك يا رب العالمين وحب الطاعات والخيرات يا أكر الأكرمين

اميرة السعادة
02-23-2010, 04:37 AM
شكرا لك ولا تحرمكنا من عظيم ابداعك

تحياتى لك عل كل جديد منك
ربى يسعدك